|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
بلقيس خالد
2026 / 5 / 25
نصٌّ ذكيٌّ ومختلف، استطاعت فيه الشاعرة بلقيس خالد أن تُحوِّل العاصفة الترابية،
بكل ما تحمله من قسوةٍ يومية مألوفة في البيئة العراقية، إلى مادةٍ شعريةٍ وتأمليةٍ عميقة، عبر بناء هايكوي مكثف ومشحون بالدلالة.
في «ما لم تكنسه النساء» لا يبدو الغبار مجرد ظاهرة مناخية،
بل يتحول إلى كائنٍ اجتماعي ونفسي وفلسفي،
يتسلل إلى البيوت والوجوه والذاكرة والصدور،
حتى يغدو جزءًا من الهوية العراقية نفسها.
الجميل في هذه النصوص أنها لا تكتفي بوصف العاصفة،
بل تكشف علاقتها الخفية بالإنسان العراقي، خصوصًا المرأة،
التي تظهر هنا بوصفها الحارس اليومي للحياة،
تقاوم الفوضى بالتنظيف،
وتواجه الصحراء بأدواتٍ منزلية بسيطة، لكنها مفعمة بالمعنى.
هايكو مثل:
«اعتذار النساء..
عن فعل العاصفة:
التنظيف»
يحمل سخريةً مُرّة وعميقة،
إذ تتحول النساء إلى من يعتذر نيابةً عن الطبيعة نفسها، وكأنهنَّ مسؤولات عن ترميم اختلال العالم كل يوم.
كما أن بعض المقاطع بلغت مستوىً بصريًا وفلسفيًا لافتًا، مثل:
«في منتصف العاصفة،
تماثيلُ طينيةٌ تسير:
الناس.»
فهنا تختزل الشاعرة هشاشة الإنسان وتحوله إلى كتلةٍ من الطين المتحرك داخل خرابٍ كوني.
وفي هايكو:
«يهبط على الأكتاف جميعاً، بلا تمييز..
يحققُ العدالة:
الغبار.»
تتجلى ذروة المفارقة السوداء؛
إذ يصبح الغبار أكثر عدالةً من البشر أنفسهم.
النصوص حافظت على روح الهايكو من حيث التكثيف والالتقاط الخاطف للمشهد،
لكنها في الوقت نفسه منحت هذا الفن الياباني روحًا عراقية خالصة،
محمّلةً بالغبار، والحرّ، والبيوت المغلقة، والنساء اللواتي يفاوضن الصحراء كل يوم.
إنها كتابة تمتلك حسًّا بصريًا حادًا،
وتنجح في استخراج الشعر من أكثر التفاصيل اعتيادًا وإهمالًا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |