من المسؤول عن تراجع حجم الطبقة الوسطى , التجارة الخارجية ام التكنلوجيا ؟

محمد رضا عباس
2026 / 5 / 22

انقسم ساسة الولايات المتحدة على تأثير التجارة الخارجية على العمالة الداخلية . الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول ان تراجع عدد العاملين في القطاع الصناعي في أمريكا سببه هو غباء مسؤولي التجارة الخارجية او ضعفهم في محادثاتهم مع الصين , المكسيك , و اليابان , ولو كانوا اذكياء لما سمحوا لهذه الدول الاستفادة من تجارتهم معنا.
بيرني سندرز, السيناتور الأمريكي المعروف , من جهة أخرى , يلوم الطبقة الغنية في البلاد لانهم يفضلون التجارة الخارجية على التصنيع المحلي , لانهم يرفضون دفع الأجور المتعارف عليها في امريكا والتي تسمح للطبقة العاملة العيش في رفاهية بالوقت الذي باستطاعتهم دفع اجرة خادم او عبد في الصين او المكسيك .
والحقيقة من الصعب قبول احد الصوتين وترك الاخر, لان الاثنين يتحدثون الواقع . سندرز على حق , حيث ان الاغنياء في العالم زادت ثروتهم الى درجة ان 85 من اغنى اغنياء العالم يملكون ثروة تساوي ثروة 50% من سكان الكرة الأرضية , والذين يمثل معدل دخلهم السنوي اقل من المعدل العام . التجارة الخارجية انتشلت أيضا الملايين من الفقراء في الصين , تركيا, نيجيريا , المكسيك , وماليزيا , ورفعتهم الى مكانة الطبقة الوسطى . هذه الدول أصبح لها قطاع صناعي كبير يدعم دخول افراده.
اين المشكلة اذن ؟ حسب توضيح المسؤولين الامريكان , فان العجز التجاري مع الصين كلفت الولايات المتحدة الملايين من فرص العمل . الصين أصبحت تنتج مصنوعات تنافس المصنوعات الامريكية ولكن بكلفة انتاج اقل , مما أدى الى اغلاق المعامل في أمريكا وتسريح عمالها , وهذا ما أدى الى تراجع الطبقة المتوسطة في أمريكا , والذي يعد المستوى المعاشي لهم اعلى من الطبقة العاملة في المكسيك او الصين . التجارة الخارجية انتفع منها العمال في الصين و ماليزيا و نيجيرية و تركيا وفيتنام والبرازيل لان أجور العمال فيها اقل بكثير من أجور العمال في الولايات المتحدة الامريكية .
ومع هذا فان قطاع الصناعة في أمريكا تعافى في السنوات العشرة الأخيرة بسبب ارتفاع الأجور في القطاع الصناعي في الدول الأخرى , توفر الطاقة الرخيصة في الداخل الأمريكي , والقرب من الأسواق الداخلية . ومع هذا التعافي في القطاع الصناعة الامريكية , الا انه لم تصل الى حجمها في الثمانينيات القرن الماضي , وان تقلص حجم الطبقة العاملة في القطاع الصناعي سيبقى هو السائد في المستقبل , والسبب هو استخدام التكنلوجيا الحديثة في التصنيع , والتي رفعت الإنتاجية و قلصت الحاجة الى العمال .
معظم الاعمال التي خسرها القطاع الصناعي سوف لن تعود مرة ثانية , تماما مثل ما اسقطت صناعة السيارات النقل بواسطة العربة التي يجرها الحصان , وكذلك فان التكنلوجيا الحديثة سوف تهمش حاجة القطاع الصناعي الى العمال في الوقت الحاضر والمستقبل سواء كان في الولايات المتحدة , في الصين , و في كل مكان . والرابح من عولمة الموجة القادمة سوف لن تكون الصين او عمال الصناعة الامريكية , ولكن أولئك الذين يستخدمون اخر التكنلوجيا الحديثة .
ان أولئك الذين يدعون باستطاعتهم ارجاع الصناعة الى عافيتها والعمال الى مصانعهم انما ينسون هذه الحقيقة , استخدام التكنلوجيا الحديثة تقلل الطلب على الايدي العاملة , وانهم يتخلفون عن الاستجابة السريعة لإعادة تدريب العمال الذين فقدوا أعمالهم في القطاع الصناعي الى اعمال أخرى تستوعبهم . القرن الحادي والعشرين يريد عمال يعرفون استخدام البرامج الإلكترونية , تشغيل وصيانة المكائن المعقدة . وسيكون هناك قليل من الاعمال التي كانت توفرها معامل تجميع السيارات عام 1977 في أمريكا او 2007 في المعامل الصينية. كلا البلدين يستخدمون الروبوتات بدلا من البشر , والنتيجة كلفة قليلة وقوة تنافسية .
ان حملة رفض الطبقة الوسطى التجارة الخارجية سواء في الدول الصناعية او دول العالم الثالث واعتبارها مصدر خسارة أعمالهم سوف يرجع العالم الى زمن الحماية التجارية وعودة المراكنتلستك من جديد و مشاكلها وحروبها وهيمنتها على الأوطان والبحار , وسيكون هناك ضغوط كبيرة على الحكومات للعودة الى وضع الحواجز امام التجارة الخارجية , وهم خبر يقلق الملايين من عمال العالم الثالث وعلى نظمها السياسية , ويصيب جميع الأسواق العالمية التشظي , وتشعل الشعور القومي وتمهد الطريق الى موجة جديدة من رفض التجارة الخارجية او وضع قواعد صارمة لها.
ان ادخال التكنلوجيا الحديثة , على الرغم من منافعها الربحية , الا ان اوجاعها تعم الجميع , الدول الصناعية وغير الصناعية . التكنلوجيا الحديثة تزاحم العمال في الدول الصناعية وتتركهم بدون عمل او البحث عن عمل اخر اقل دخلا , فيما ان كلفة الإنتاج المتدنية سوف تنافس صناعة عمال دول عالم الثالث , الذين يتقاضون اجورا اقل بكثير من أجور الدول الصناعية . واذا كانت الهند تتمتع بإنتاج دواء منخفض الكلفة , فان استخدام شركة Myland الامريكية للصناعات الادوية التكنلوجية المتقدمة قد تسحب البساط من تحت ارجل الهند وتعرض عمالها الى البطالة , وان استخدام التكنلوجيا الحديثة في صناعة الاقمشة في بريطانيا قد تؤدي الى اغلاق مصانع صنع الاقمشة الصغيرة في إندونيسيا , واستخدام مكائن صنع الأثاث المتقدمة في العراق سوف يؤدي الى اغلاق الكثير من محلات صنع الأثاث الصغيرة فيه.
اذن , ان دخول التكنلوجيا الحديثة بدون دراسة جدية على تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي , انما يعرض البلدان المستخدمة لها الى هزات سياسة خطرة جدا , وما التظاهرات العمالية في أوروبا الا مثالا حيا على خطر التكنلوجيا الحديثة على السلم الأهلي . كما وتجدر الإشارة الى ان ادعاءات الرئيس ترامب بان الهجرة الى الولايات المتحدة الامريكية احد أسباب قلة فرص العمل في البلد غير صحيح , وان هذا الادعاء يعد تهزم عن الكشف السبب الحقيقي لزيادة البطالة في العالم الصناعي والذي مصدره الوحيد هو استخدام التكنلوجيا الحديثة بمصانعها , لان المهاجر الجديد لا يمكنه منافسة العامل المحلي وبالتالي سوف ينتهى بأحد الاعمال الخدمية , والتي تحتاجها الدول الصناعية .
الخلاصة , ان سرعة استخدام التكنلوجيا الحديثة سواء كان في القطاع الصناعي او الزراعي او الخدمي تؤدي حتما الى تقليص عدد العمال في هذه القطاعات , وبدون إعادة تدريبهم فان الفائض منهم سيعاني من البطالة ومشاكلها , ومع انتشار البطالة تنتشر الجريمة , تناول المخدرات , الانتحار , الطلاق , تفشي الفقر في البلاد , والاضطراب السياسي . وبدون شك سيكون الضحية الأكبر لاستخدام التكنلوجيا الحديثة هي الطبقة الوسطى , لان تقلص حجم الطبقة الوسطى يؤدي الى تراجع الاقتصاد الوطني , لان هذه الشريحة من المجتمع , وهي من المفروض ان تكون الأكبر, تعد المحرك الحقيقي للاقتصاد الوطني , و اذا تراجع عددها تتراجع الأسواق بكاملها بضمنها السياحة والسفر , دور الترفيه , الفنادق و المطاعم , الملابس و محلات الزينة , الأثاث والمفروشات , و بذلك , فان حجم البطالة في البلد يتضخم تماما مثل كرة الثلج تكبر بتدحرجها .

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر