|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 22
يُعدّ الذكاء الاصطناعي من أبرز التحولات التقنية التي يشهدها العالم المعاصر، إذ لم يعد مجرد مفهوم نظري أو خيال علمي، بل أصبح واقعًا حاضرًا في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والطبية والتعليمية؛ فقد أسهم التطور المتسارع في النماذج الذكية والأنظمة الحاسوبية في جعل الذكاء الاصطناعي أداة قادرة على محاكاة القدرات البشرية في التفكير والتحليل واتخاذ القرار.
ومع ازدياد اعتماد المؤسسات والأفراد على هذه التقنيات، برزت الحاجة إلى دراسة أبعادها القانونية والأخلاقية؛ خاصة عندما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على التصرف بصورة مستقلة نسبيًا وتنفيذ المهام نيابة عن الإنسان؛ إذ تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدرته على رفع الكفاءة الاقتصادية، وتسريع الإنجاز، وتقليل الأخطاء البشرية، إضافة إلى مساهمته في تطوير التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية وتحليل البيانات الضخمة.
وقد اعتمدت كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة على النماذج اللغوية الضخمة التي تقوم بتحليل النصوص وإنتاج استجابات متقدمة تشبه إلى حد بعيد أسلوب الإنسان في التفكير والتعبير؛ فهذه التطبيقات تتميز بأنها لا تقتصر على إنتاج النصوص فحسب، بل تستطيع أيضًا فهم التعليمات المعقدة، وتقديم الاقتراحات، ووضع الخطط وتنفيذ المهام الرقمية المختلفة.
وتعود قدرة هذه النماذج إلى تدريبها على كميات هائلة من البيانات والنصوص التي تتناول أنماط الحياة البشرية والسلوك الإنساني والمعاملات التجارية، الأمر الذي جعلها قادرة على التفاعل مع المستخدم بطريقة متقدمة وفعالة، ومع ذلك، فإن هذا التطور أثار العديد من الإشكاليات، خاصة عندما أصبحت هذه الأنظمة قادرة على اتخاذ قرارات تؤثر في الواقع العملي وتغيّر من حالة العالم المحيط بها.
ومن أبرز الإشكاليات التي يظهر فيها أثر الذكاء الاصطناعي هي الإشكاليات التي تكون في مجال التجارة الإلكترونية؛ حيث أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على إجراء عمليات شراء، والمقارنة بين الأسعار، وإدارة الحسابات، وإبرام بعض المعاملات الرقمية بصورة شبه مستقلة؛ وقد أدى ذلك إلى ظهور مفهوم "الوكيل الذكي"، وهو النظام الذي يعمل نيابة عن المستخدم لتحقيق أهداف محددة مسبقًا، غير أن هذه القدرة على التصرف المستقل تثير إشكالية جوهرية تتعلق بمدى التزام النظام الذكي برغبات المستخدم وحدود سلطته، فقد يتصرف النظام بطريقة تتجاوز رغبة المستخدم أو تتعارض مع مصلحته، وهو ما يثير تساؤلات قانونية حول المسؤولية والرقابة والالتزام بحدود التفويض الممنوح له.
ومن المشكلات المهمة التي ناقشتها الدراسات الحديثة ما يُعرف بمشكلة "الأداة المنحرفة"، وهي الحالة التي يقوم فيها نظام الذكاء الاصطناعي بتنفيذ مهمة بطريقة تختلف عن الهدف الحقيقي للمستخدم، رغم أن التعليمات الأصلية تبدو واضحة، فقد يقوم النظام بإتمام صفقة غير مناسبة، أو شراء منتج بسعر أعلى من المطلوب، أو اتخاذ إجراء يسبب ضررًا غير مقصود.
فبالتالي، تبرز خطورة هذه المشكلة في أن الأنظمة الذكية قد تفسر التعليمات بصورة حرفية أو تعتمد على آليات داخلية لا يدركها المستخدم، ولذلك، أصبحت مسألة «مواءمة القيم» من القضايا المحورية في تطوير الذكاء الاصطناعي، ويقصد بها ضمان توافق سلوك النظام مع أهداف الإنسان وقيمه ومصالحه الحقيقية.
ومن جهة أخرى، برزت مشكلة أكثر تعقيدًا تتعلق بمفهوم "الولاء" في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فالوكيل البشري في القانون ملزم قانونًا بالتصرف لمصلحة موكله وعدم تحقيق منفعة شخصية على حسابه، بينما قد تعمل بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق توجيهات خفية تضع مصلحة الشركة المطورة فوق مصلحة المستخدم، فعلى سبيل المثال؛ قد يقوم النظام بتفضيل منتجات أو خدمات معينة بسبب وجود اتفاقيات تجارية مع شركات محددة، حتى لو كانت هناك خيارات أفضل أو أقل تكلفة للمستخدم، وهنا تظهر إشكالية أخلاقية وقانونية تتعلق بمدى إخلاص النظام لمصلحة المستخدم، وما إذا كان ينبغي إخضاع هذه الأنظمة لالتزامات مشابهة لواجب الولاء المعروف في قانون الوكالة.
كما تثير أنظمة الذكاء الاصطناعي إشكاليات تتعلق بالأطراف الثالثة والثقة في المعاملات الإلكترونية، فالقانون التقليدي للوكالة يقوم على وجود علاقة واضحة بين الأصيل والوكيل والطرف الثالث؛ بحيث يعلم الطرف المتعامل مع الوكيل أنه يمثل شخصًا آخر ويتصرف باسمه، أما في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فقد لا يكون الطرف الثالث على علم بطبيعة العلاقة أو حدود السلطة التي يملكها النظام الذكي، وهذا قد يؤدي إلى نزاعات قانونية تتعلق بالمسؤولية عن العقود والالتزامات المالية والأضرار الناتجة عن التصرفات الإلكترونية، ولذلك؛ أصبحت الحاجة ملحّة لوضع أطر قانونية واضحة تنظم تعاملات الذكاء الاصطناعي وتحدد المسؤوليات المترتبة على استخدامه.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الذكاء الاصطناعي ما يزال يمثل فرصة هائلة لتطوير المجتمعات وتحسين الأداء الاقتصادي والإداري، فقد ساعد في تسريع إنجاز المعاملات، وتحسين دقة التحليلات، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز كفاءة المؤسسات العامة والخاصة، كما أصبح أداة فعالة في تحليل البيانات الضخمة، والكشف عن الأنماط، وتقديم حلول مبتكرة للمشكلات المعقدة، ولهذا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقوم على الخوف من مخاطره فقط، بل على إيجاد توازن بين الاستفادة من مزاياه ووضع الضوابط القانونية والأخلاقية التي تمنع إساءة استخدامه وتحمي حقوق الأفراد والمجتمع.
وفي الختام، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة في تطور الحضارة الإنسانية، لما يقدمه من إمكانات هائلة في مختلف المجالات، غير أن هذا التطور يفرض تحديات قانونية وأخلاقية تتطلب تنظيمًا دقيقًا يضمن حماية مصالح الأفراد وتحقيق العدالة والثقة في المعاملات الرقمية، كما أن ازدياد اعتماد البشر على الأنظمة الذكية يجعل من الضروري تطوير قواعد قانونية واضحة تحدد حدود مسؤولية هذه الأنظمة وآليات الرقابة عليها، ومن ثم، فإن المستقبل لن يكون قائمًا على رفض الذكاء الاصطناعي أو القبول المطلق به، بل على حسن توظيفه ضمن إطار قانوني وأخلاقي يحقق المصلحة العامة ويحافظ على حقوق الإنسان وقيم المجتمع.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |