سرد نثري لأسطورة الذئب في التراث النرويجي

زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 21

ملاحظة الكاتب: هذا السرد كتبته استنادًا للأساطير النرويجية القديمة، وهذا السرد يختلف عن السرد الأدبي بكونه سردًا لا يمتلأ بالمحسنات البديعية والجناس والطباق والسجع، إنما الهدف الأول منه هو إبراز القصة الميثولوجية.
وتاليًا النص المكتوب:
من قديم الزمان، خصوصًا في الزمان الغابر، وُجِدَ رجلٌ مخادع مخاتل، كان يُسمى بالنمام/ الكذاب/ المخادع/ المكار، وعُرِف أنه أول من سن الخداع بين بني الإنس، وكان شؤمًا على جميع المخلوقات والكائنات؛ يتجنبه الجميع ويبتعد عنه، ولا يقرب منه أحد البتة، خوفًا منه ورعبًا، هذا المخلوق كان يدعى لوكي.
ولوكي هذا هو ابن العملاق فارباوت، إذ أن أمه تدعى لاوفي، وأخواه اسميهما بيليست وهيلبليند.
ولوكي هذا فاق الجميع في مكره، وجاوز الكل في ختله، فمع أنه كان وسيم الوجه بهي الطلعة، إلا أنه كان شراني الخُلقِ ذميم الصفة متقلب الفكر لا يثبت على رأي، فنفر الكل من حوله وابتعدوا عنه اتقاء لشره، وهو سيد المكر والخداع كما أسلفت، يمكر بالكل ولا يُمكَر عليه، وكثيرًا ما كان يدخل أهله وجماعته الإيسير في المشاكل ولكن يخرجهم منها بأغمض وأعجب سبب ممكن.
34. ومن بعد ذلك، وبعد سنين طويلة، أنجب لوكي العديد من الأبناء، فكانت له ذرية واسعة وامتداد طويل من الأحفاد، إذ في يوتينهايم تزوج أنغربودا، فكان منها ثلاثة أبناء، أولهم الذئب فينرير والثاني يورمونغاند والثالث هيل.
وعندما أدرك إلهة الإيسير خطر هؤلاء المواليد الجدد، وأن طوالعهم تنذر بكارثة ستحل على الإيسير قريبًا، وأنهم عند كبرهم سيكونون أخطر ما يمكن على هؤلاء الآلهة، كلف الإيسير رجلًا يدعى ألفابير لخطف هؤلاء الأطفال وإحضارهم لمجمع الآلهة، ولكن، وما أن وصل ألفابير للأطفال، حتى أتى لوكي وألقى بابنه الثعبان في المحيط، فأحاط بكافة البحار وبالأرض حتى صار يساورها ويحاوطها من كافة النواحي، أما هيل، فوضعها في نيفيلهايم (منطقة)، معطيًا بذلك لها سلطةً على العوالم التسعة، فكانت تقرر من سيجيء لها وأين مثواه وسكنه في هذه العوالم؛ وما كان يأتي لها إلا من يموت شيخوخةً أو مرضًا، فيأتوا به إلى قصرها شاهق الارتفاع فارع الأسوار ضخم البوابات.
ولها في قصرها ذلك قاعة تسمى (جودنر)، وفي تلك القاعة مائدة وسكين يجوع من يجلس عليها ويأكل منها، فلا يرتوي عطشًا ولا يمتلأ بطنًا، بل العكس يُنهَك جوعًا ويتعب جسدًا.
ولها خدام، أما الأول فيدعى (جانجلات) وأما الثاني فتدعى (جانجلوت)، سريرها من الهموم، وستائر غرفتها بلون اللحم الدامي وبلون أزرق باهت، نظراتها ترعب النفوس وتجمد العقول وتسلب الألباب خوفًا ورعبًا، وتملأ الفؤاد صرامة وقسوة.
35. ترعرع الذئب ابن لوكي بين الإيسير، وكان الإله تير هو الوحيد ممن يمتلأ قلبه جرأة لكي يقرب عليه ويطعمه، حتى صار حجم الذئب يومًا بعد يومًا يغطي على الشمس، وصار من عظمة حجمه يبث الرعب في نفوس الإيسير، فما كان من الإيسير إلا أن فكروا وتدبروا حتى وصلوا إلى حل لهذا الذئب، وهو أن يصنعوا قيدًا جليلًا يساورون فيه الذئب كما يساور الحائط البيت، فلا يتحرر من ثقل هذا القيد البتة، وسموا هذا الحبل والقيد باسم (لادينغ)، ثم ومن بعد ذلك، انتهز الإيسير الفرصة فأنشأوا قيدًا آخرًا يسمى الـ(دروم).
ولكن، استطاع الذئب كسر القيد الأول، ومن ثم، حاول الإيسير إقناعه بارتداء القيد الثاني، محاولين الحديث معه واللعب بـ(عقله)، فأوحوا له إنه إذ لم يستطع القيد الثاني تقييده وإضعافه، فإن قوته ستشتهر في الآفاق، وتحت ظل الغرور، اقتنع فينرير الذئب بهذا الأمر، فقام بتقييد نفسه، ولكن ما أن وضعه حتى قام بكسره وتفتيته إربًا، فتحرر من القيد الثاني ولم يعد مثقل به.
ومنذ ذلك الزمان، وحتى وقتنا هذا، صار البشر؛ أي بني الإنس يتداولون المثل الشهير القائل (سأتحرر من لادينغ) و(سأنفك عن دروم) كمثل يضرب بالأمور بالغة الصعوبة، حتى أنه يُروى أن الإيسير جعلوا يخشون من هذا الذئب، فما عادوا مطمئنين البال، فيُقضَ الذئب مضجعهم وتؤرق إشكاليته جفونهم، حينها، وحينها فقط، طلب الإيسير من رجل يسمى بـ(سكرينر) وهو الشاب الموكل بخدمة (فريغ)؛ بأن يبعث إلى بعض كائنات الأقزام مرسالًا، طالبًا منهم أن يصنعوا قيدًا يقيدون به هذا الذئب العظيم، فنرير المخيف المهيب.
وتطلب هذا القيد اشياءً كثيرة لصنعه، فمن وقع صوت أقدام القطط مرورًا بجذر جبل ولعاب الطيور، كل هذه الأمور طُلبِتَ لصنع هذا القيد؛ والذي سيقيد الذئب فنرير، فاستعجب الحضور واستغرب؛ إذ كيف الطير يكون له لعاب، وكيف تُمسَك وقع أقدام القطط، وكيف يُلَجُ إلى جذور الجبال، كل هذه الأمور من الصعب ومن المستحيل أن تُحصَل، فما كان إلا أن أتى غانغلير متأهبًا وقال: إني لأجمعن هذه الأمور كافة، ولا أبقي منها شيئًا غير محصول، إلا أنه يجب أن تخبروني، كيف السبيل إلى صنع القيد هذا؟!، كيف السبيل إلى درء خطر هذا الذئب المتوحش؟
فما كان إلا أن قام هار وقال: صنع القيد أنا أفعله، ومتانة الحبل أنا أجعله شديدًا، بحيث يكون على عنق الذئب حديدًا، فعمل هار على جعل هذا القيد متين، حتى عرضه على الإيسير فتحفصوه ونال صنعه إعجابهم، ومن ثم، تبدأ الخديعة واللعبة، إذ يأتي الإيسير ويدعون الذئب العظيم لبحيرة يُطلَق عليها (أمسفارتنر)، وعليها جزيرة، فيلبي الذئب الدعوة، ومن ثم يسورونه بهذا القيد كما تسور الحديقة.
فصاروا يحاولون كسر هذا القيد خداعًا وإيهامًا للذئب بأنه خفيف بسيط، إلا أنهم ما استطاعوا، فهمّ الذئب إلى كسره محاولًا أن يثبت لهم جدارته وقوته، فما قدر على ذلك، فالتفت الذئب للإيسير غاضبًا منهم حانقًا عليهم، فما كان منهم إلا أن أوهموه بقدرته على قطع هذا الحبل المتين، وعلى كسره إربًا؛ جاعلين يقنعوه بأنه استطاع على كسر الأقوى من الحبال في العالم فلما لا يستطيع كسر هذا الحبل؟!، ولكن هيهات، كانت هذه خديعة الإيسير لهذا الذئب، وكانوا يضمرون الشر له، فخاض محاورةً معهم قائلًا: أنكم بفعلتكم هذه ترمون إلى إضعاف قوتي وإبراز وهني وجعلي أضحوكة أمام الكل، أما أنا وقد خضت كل الصعوبات وغمرت كل الإشكالات وسبرت كل غامض وعجيب، فلا يمكنكم أن تخدعوني أو تجلؤوني إلى ضعف، فما أن أحس الإيسير بخطر حتى جعلوا يخففون من روعه ويهدئون من غضبه.
ثم أردف فقال: أنكم أنتم أن قيدتموني تركتموني وهربتم، وهذا ما لا أقبله وما لا يصير، فيجب عليكم إذًا أن تعطوني ضمانة تثبت جديتكم وعزمكم على أن لا تخادعوني، فما أتم قوله حتى تشاور الآلهة واتفقوا على إعطائه ضمانة من نوع خاص، ضمانة تضمن حقه لأبد الآبدين، فجعلوا الإله تير يضع يده في فم الذئب؛ بحيث إذا لم يستطع الذئب كسر الحبل الذي قُيِدَ به أخذ يد هذا الإله.
ولإن الآلهة خدعت الذئب، ولإن الذئب كان متيقظًا، فقد التهم يد الإله تير وسلبها من عهدة هذا الإله، ومن ثم، استطاع الإيسير تقييد الذئب، وعملوا على تشديد قيده فثبتوا السلسلة لصخرة، ووضعوا فوق الصخرة صخرة أخرى، ومن ثم قاموا بطعن سيف في فم الذئب، فدخل هذا السيف في فكه السفلي وخرج من فكه العلوي، فعوى الذئب ألمًا وبكى حزنًا، ومن دمائه المسالة تكون نهرٌ مسمى بـ(جانجليري)؛ حيث سيظل الذئب رهينًا حتى قيام القيامة في العالم أجمع.
ومن ثم، تلى جانجليري قائلًا: هؤلاء أبناء لوكي عظام الهمة، شديدي الحزم، حديدي العزم، أقوياء ذو بأس ومهابة، ولكن الشر يملأ قلوبهم، والغضب يعمي أبصارهم، والحسد يغرق أفئدتهم، فتسائل هار قائلًا: ولما لم ينهي الإيسير حياة الذئب؟ لما لم يقتنصوا هذه الفرصة؟! فرد عليه جانجليري بقوله: لتعلم علم اليقين ولتدرك إدراكًا متين أن حياة أبناء لوكي مقدسة ولا يجب المساس بها عند الإيسير، فما يتجرأ أحد بمقدار شعرة على مساس حياة هؤلاء، مع العلم أن طلعتهم شئمة، ووجودهم نقمة، ومستقبلهم ليس به حكمة، وأنهم سيكونون لأودين أعداءً وأندادًا في يوم القيامة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن