في آخر الليل يسكنني الظلام عنوة

أمين أحمد ثابت
2026 / 5 / 16

حين تتدلى المدن كجثث مبتلة.
على حبال الريح
وحين تصير المرايا مقابر صغيرة،
كنت اقف وحيدا
اقسم اني تعبت
وان هذا القلب
لم يعد يعرف كيف يرمم نفسه
كلما تهدمت عليه الجهات
وحين يناديك
كمن ينادي بئرا في صحراء
لا يرجع اليه
. . سوى الصدى
وكان صوتي يتيبس في الطرقات
كغصن احرقته المواسم
حتى الابواب التي اوهمتني يوما
انها ستفتح
تحولت الى اخشاب عمياء
لا تسمع
لا تتعرف سوى الرجفان
وانعدام الخوف على العابرين
فأضعت عمري افتش
في الوجوه التي تشبه الغياب
، في المقاهي المطفأة
، العيون التي غفت قبل ان ترى الحقيقة،
- كلما اقتربت من وهمك
وجدتك تبعدين
كوطن يولد داخل السراب
. . ثم يختفي
قبل ان يصله التعب
كنت اظنه يقظا
مثل نبي قديم
يحرس خراب العالم
لكنني وجدتك غافيا
فوق نفسك
تحت انقاضك
تتنفس ببطء
كمن اعتاد الهزيمة
ولم يعد يخاف منها
وحين كنت اثور
لم اكن اجرح الا روحي
- كانت روحي
هي الحائط الوحيد
الذي يتلقى الركلات
ثم يبتسم
كي لا يفضح هشاشته
وكلما هدأت
عاد اغترابي اكبر
كبحر يتسع في العتمة
وكلما قلت
سأصل يوما
اكتشف ان الطرق
تلد طرقا بديلة
وان الرحيل
ليس سوى لعنة
تورثها الايام للغرباء
كم كرهت اني جئت
لهذا التيه الطويل
لهذه البلاد
التي يعلو فيها صهيل الذكور
ويكثر فيها الضجيج
حتى يغدو الانسان
مجرد ظل
يصفق للخراب
ويورث ابناءه
الخوف نفسه
والسلاسل نفسها
والعتمة نفسها
وكم احببت نفسي
حين خدعتني المرايا
واوهمتني
اني قادر على اقتحام العالم
وان يدي
قادرة على ان ترفع العقول من وحلها
وانني
سأبني سلما للمنتهى
واعيد ترتيب الجهات
وافتح ابوابا
لم يجرؤ عليها احد
كنت امشي
ممتلئا بذلك الوهم الجميل
وصدري يعج
بالاناشيد المؤجلة
لكنني
كلما اقتربت من الحلم
سقط جزء مني
حتى لم يبق
الا هذا الصوت المتعب
وهذه الصرخة
التي تشبه طفلا ضاع
في زحام العالم
هناك
في مراهقة الروح
حين كنا نظن ان القصائد
يمكنها ان تنقذ الحياة
اسرتني الاوهام
ومزقتني ببطء
حتى فقدت اللغة
وصرت اتكلم
كمن يفتش في الرماد
عن معنى
ولم يبق لي
سوى القسم
اقسم اني تعبت
اقسم ان هذا الليل
اطول من احتمالي
واني كلما حاولت النهوض
شدتني مخالب الخيبة
الى قاعها
صرت اتأوه كثيرا
كبيت قديم
تنهشه الرطوبة
ويضحك العابرون
من تشققات جدرانه
ولا يعرفون
ان البيوت ايضا
تبكي
حين يهجرها اهلها
وها انا
امشي بخطاي الاخيرة
احمل قلبي
كفانوس منكسر
في بلاد
لا ترى النور
الا حين يحترق اصحابه .

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن