|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
بلقيس خالد
2026 / 5 / 15
أقفُ أمام الطباخ،
أراقبُ الشاي يصعدُ إلى حافةِ الغليان ثم يتراجع، كأنهُ نادمٌ على انفعالهِ.
الملعقة تدور في قدر الحليب،
والصباح يجرُّ قدميهِ فوق بلاطٍ باردٍ.
هبطت فكرةٌ..
فاختلطت الأصوات.
كمن يأخذ إجازةً قصيرةً من الواقع،
أتركُ القدر على النار،
وأذهبُ لأنبش في الكتب.
بعد دقائق، تتصاعدُ رائحة الكارثة..
أركضُ مذعورةً..
كأن النار تكتبُ نهايةً غير متوقعةٍ لما في القدر الصغير.
صباح اليوم..
تركتُ على المكتب كتاب (مناقب العارفين)..،
وسرح فكري في جملةٍ:
(اجتهد في أن يصبح نحاس وجودك ذهباً)..
نسيتُ الخبز في الفرن، فتحول إلى حجرٍ تاريخيٍّ؛
يصلح لبناء قلعةٍ..،
يأتي صوتُ أمِّي: ركزي في الطبخ..
كيف أشرحُ لها
أن الطعام المحترق عند الشاعرات ليس فشلا منزلياً، إنهُ فقط.. أثرٌ جانبيٌّ للخيال.
أقلبُ الحليب بيدٍ،
وباليد الأُخرى أمسكُ فكرةً قبل أن تهرب من النافذة، والقدر يغلي غاضباً:
إما أنا.. أو القصيدة.
حتى المقلاة صارت تعرفني،
أقلي البيض وأنا أستمعُ إلى أغنيةٍ رومانسيةٍ...
وجدتُ البيض ينظرُ إليَّ بأعينٍ محترقةٍ،
لو كان لهُ لسانٌ لقال:
أغلقي باب خيالكِ أولا ثم تعالي للطهي.
رغم كل شيء،
ما زلتُ أرتدي (الصدرية) كل صباحٍ،
وأقفُ أمام النار بشجاعةِ امرأةٍ خاضت معارك كثيرةً،
وما زالت تُؤمنُ أن (الريوك) هذه المرة قد ينجو.
الملاعق، تعبت من هذه الحياة،
تنظرُ إليَّ بشفقةِ أدواتٍ منزليةٍ تورطت مع امرأةٍ تنسى أين تضعها،
لأنها كانت تفكرُ بمجازٍ شعريٍّ يليق بالقمر.
البصل المسكين
أُقطعهُ.. بعينين تذرفان قصائد حديثة،
حتى بدا السكين كأنهُ ناقدٌ صارمٌ يشرحُ نصاً.
الطماطم تستحمُ في الزيت..
وأنا شاردةٌ مع فكرة مرّت..
مثل قطارٍ سريعٍ.
يصرخُ الزيت كمديرة مدرسة غاضبةٍ:
عودي حالا إلى الواقع..
أيُّ واقعٍ..
وأنا أَعيشُ ثلثي حياتي داخل رأسي؟
ذات عصرٍ،
خطرت لي فكرةٌ عن الوحدةِ،
جلستُ أكتبها كمن يُنقذ كنزاً من الغرق..
وحين عدتُ..
وجدتُ القوري واقفاً وسط الدخان..
مثل جنديٍّ نجا وحدهُ من حربٍ كيميائيةٍ..
وفي إحدى الليالي، أحرقتُ العشاء..
فتحتُ النوافذ مذعورةً..
دخل القمر..
جلس فوق الثلاجة ينظرُ بهدوء فيلسوفٍ عجوزٍ..
الكتب تنام قرب الصحون،
والقصائد تختبئُ داخل علبة السكر.
والدخان الصاعد إلى السقف يتحول إلى غيومٍ..
تمطرُ استعاراتٍ..
أما أنا..
أشربُ شايي الناجي بصعوبةٍ
بينما المطبخ ينظر إليَّ بحيرةٍ وذهولٍ:
القوري.. السكين.. الصحون.. الملاعق...
والقصيدة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |