|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
أمين أحمد ثابت
2026 / 5 / 10
الحلقة ( 2 )
( 2 )
قد ينهشك الجنون ويأخذك المسير
الى حواف الغبار وصوت الحديد المطلق
لمتفجرات اللهب والدخان
لم يتحرك الرجل في بادئ الأمر - ظل ملتصقا بتلك التلة الرملية ، يصغي كأن الصوت وحده قادر على رسم المشهد الذي حجبه الغبار - كان القتال قريبا جدا ، قريبا إلى درجة أن الأرض اهتزت تحت راحتيه حين وضع كفه على الرمل .
لم يكن هذا صراعا عاديا - الصحراء تعرف أصوات القتال ؛ تعرف منذ القدم صليل السيوف وصراخ الرجال ، لكن هذا الصوت كان أعنف ، أعمق ، كأنه الريح تحمل أصداء حرب أكبر من حجم المكان .
حاول أن يبصر من خلال الشرخ بين موجتين من الغبار - لمح ظلالا تتحرك بسرعة :
...... أهي ظلال رجال ، وحوش . . أم شيء لم تره عين بشر من قبل ؟
لا يملك جوابا - لكن قلبه انقبض كما لو أن شيئا يدعوه لا ليفر، بل ليتقدم اكثر في مساره – كان العالم خارج الصحراء لم يكن المرء يعرف الكثير عما ينتظره خارج هذه الرمال الشاسعة - كان يسمع روايات متناقضة من المسافرين الذين يمرون بقريته ، كان يسمع كل هذا ويخزنه في ذاكرته دون أن يعرف أي هي الحقيقة ، وأي هي التي هي مجرد حكايات تروى عند مواقد الليل - لكن الآن ، وهو يقف عند حافة الصحراء يسمع هذا القتال الضاري ، شعر أن كل تلك الروايات بدأت تتحرك أمامه - ارتفع الغبار فجأة ، كأن يدا عملاقة مسحت الهواء - بلمح البصر، ظهر مشهد لم يتوقع رؤيته ، ساحة واسعة بين الصحراء والمدينة البعيدة ورجال يركضون بعنف فيها ، انفجارات وسيوف تتقاطع وخيول تندفع كالإعصار ، وبين كل ذلك . . شيء آخر تماما ، مخلوق ضخم يتشكل بارتفاع شاهق ، لا يشبه الذئاب ولا الثعابين التي رآها في الصحراء . جسد مغطى بالظلال الأسود ، عينان تحترقان بلون النار، وصوت يزأر يمزق السماء - تراجع خطوتين – كان قد اختل توازنه ، لم يكن مستعدا لرؤية ما هو أمامه .
صوت داخله قال :
........ إما أن تتقدم الآن
، أو أن تنتهي الحكاية قبل أن تبدأ .
لم يعرف لماذا ، لكنه شعر أن هذه المعركة و. . هذا المخلوق و . . الغبار كلهم مرتبط بحلمه ، بالبلد الذي تركه ، بشيء أكبر منه و. . أكبر من القتال نفسه - رفع رأسه ، شد شاله الطويل الناري حول كتفيه ، وأخذ نفسا عميقا .
( 3 )
و تسوطك الرمال الحارقة ، أو تلاحقك
شياطينها ليلا ، لكن وجودك لن يغادره بيسر
سير الظل المشتعل
قبل أن تخلق المدن ، وقبل أن تتقاسم القبائل الأرض ، وقبل أن تسمى الصحراء صحراء - كان هناك كائن يعيش بين عالمين ، عالم البشر، وعالم آخر لا يرى إلا لمن اقترب من شفير الحقيقة - لم يكن مخلوقا واحدا في الأصل ، كان روحا من النار والظل تجسد عندما سقط نجم ضخم في قلب الأرض قبل آلاف السنين ، فشق الصحراء نصفين ، وأطلق طاقة لم يستطع البشر فهمها - هذه الطاقة تحولت مع الوقت إلى كيان يسميه القدماء . . جسد الفجوة - لم يكن شريرا بطبيعته ، ولا خيرا كذلك - كان قوة . . في عالم البشر تتحول دائما إلى شيء يخشاه البعض ، ويطمع فيه البعض الآخر– هو ما تقوله أساطير العهد الأول عند القبائل اليمنية القديمة . . حين كانت تعيش بسلام ، حتى بدأت الأرض تجف ، السوائل تختفي ، والسماء تزداد حرارة - كانوا يعتقدون أن غضب ’جسد الفجوة’ هو السبب - أرسلوا حكماءهم ليخاطبوه -أخبرهم أن الأرض لا تموت من تلقاء نفسها ، بل تموت من ظلم الناس - لكن أحد الزعماء لم يعجبه ما سمع ، فحاول أسر الكيان واستخدام قوته لتوسيع نفوذه - حينها حدث الانشطار العظيم - اهتزت الصحراء ، وابتلعت قبائل بأكملها ، وتحول الكيان إلى مخلوق ذو جسد حيواني هائل وقلب من نار .
منذ ذلك اليوم، ظهر كل قرن تقريبا في نقطة معينة من الصحراء،
وكأنه يذكر البشر بأن القوة حين تستفز ثم تستيقظ–بحسب مخطوطات قديمة، لم يكن المخلوق يظهر إلا لأسباب محددة ، إما عند اقتراب حرب كبيرة ، أو انهيار نظام حكم ، أو . . بداية تغيير عظيم يطال الناس والبلد - الأغرب من ذلك ، أن المخلوق يستطيع الشعور بالأشخاص الذين يحملون أحلامًا كبيرة جدا ، لأن الحلم القوي يوقظ النار الأخرى ب . . فعل ارتباطه بحالم يصدق ذاته بحقيقة حلمه في تحققه واقعا و . . ولكن بصبر لا يلين وإرادة لا تضعف – كان القدماء يقولون:
....... إن ’ جسد الفجوة ’ لا يظهر من تلقاء نفسه
، بل يستدعى بلا وعي . . عندما يقترب شخص من تحقيق حلم قد يغير توازن الأرض .
لم يظهر المخلوق عند حافة الصحراء صدفة بل استيقظ لأن القحطاني ب . . بأحلامه في إصلاح البلد والناس أيقظ جزءا من القدر كان يجب أن يظل نائما ، ولهذا عند اللحظة التي وصل فيها القحطاني إلى حافة الرمال - كان المخلوق ينتظره ، بين صراع قبائل ، صراع مدن و. . صراع قوة - كان العالم يتهيأ لشيء أكبر بكثير مما تخيله .
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |