قراءة في.. (هواءٌ يشبهكَ)

بلقيس خالد
2026 / 5 / 9

النص الذي كتبته الشاعرة المبهرة بلقيس خالد في “هواءٌ يشبهكَ” يقدّم تجربة تأملية ناضجة،
تقوم على صراع داخلي بين محاولات الابتعاد وبين حضورٍ خفيّ يعيد تشكيل الطريق كل مرة.
في كتابتها لافتة قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى إشارات وجودية عميقة؛ فالنافذة، وكوب الماء، والكلمة العابرة،
تتحول عندها إلى علامات استدعاء روحي لا تحتاج إلى تصريح مباشر.
هذا الاشتغال يمنح النص صدقًا داخليًا وإيقاعًا هادئًا يقترب من المناجاة أكثر من كونه سردًا تقليديًا.
كما أن انتقالها من سؤال “أين أنت؟” إلى “لماذا أنا؟” يكشف عن وعيٍ فلسفي ضمني في بناء التجربة،
حيث لا يعود الغياب موضوعًا خارجيًا، بل يصبح حالة تتشكل داخل الذات نفسها.
بلقيس خالد هنا لا تكتب شعورًا فقط، بل تكتب طريقة في الإحساس، وهذا ما يجعل النص حاضرًا ومؤثرًا في ذاكرة القارئ.

د. عبدالكريم الحلو.

******
هواءٌ يشبهكَ


لم أكن أبحثُ عنكَ..
كنتُ مشغولةً بي،
بأخطائي الصغيرة،
باسمي الذي كنتُ أرتبهُ كل صباح
كي لا يضيع مني.
لكن..
شيئاً ما يُعيدني..
انكسارٌ خفيفٌ في الطريق
كلما ابتعدتُ.
أغلقُ الأبواب،
أقررُ ألا أمر اليوم من هنا،
لكن النافذة تعلمت اسمي،
نادتني بهواءٍ يشبهكَ.
إلهي..
أضيعُ باجتهادٍ،
أختارُ طرقا لا توصل إليك،
أحب أشياء لا تدلُّ عليكَ،
ومع ذلك..
تظهرُ في آخر التعب،
كأنك تقول:
تعالي.. من هذا الباب.
إلهي..
يا من لا يملُّ من إعادتي إليَّ،
يامن تعرف أماكن كسري أكثر مني
كيف تجعلُ الإشارة
تختبئُ في أكثر اللحظات عاديةً؟
في كوب ماءٍ،
في كلمةٍ عابرةٍ،
في حزنٍ لم أعرف سببهُ؟.
إلهي..
لم أختركَ،
حاولتُ ألا أفعل..
وتختارني
في كل مرةٍ أفشلُ فيها في الهرب.
الآن..
لم أعد أسأل: أين أنتَ؟.
أسألُ:
لماذا أنا..؟
لماذا هذا القلب تحديداً
تطرقُ بابهُ كل هذا الطرق؟
ولا جواب..
سوى هذا الشعور
: أنني لو اختفيتُ قليلا،
تبحثُ عني..
كما لو أنني شيءٌ منكَ
ضاع.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن