الكتابة ذلك الجرح القديم

هاشم معتوق
2026 / 5 / 9

الكتابة بوصفها ولادةً ثانية للعالم

الكتابة ليست مهنةً للغة، ولا لعبةً من ألعاب البلاغة، بل هي ذلك الجرح القديم الذي يحاول الإنسان عبره أن يترك أثرًا ضد العدم. فمنذ اللحظة التي خطّ فيها الإنسان الأول رمزه المرتبك على جدار كهفٍ بارد، لم يكن يريد أن يدوّن يومه فقط، بل أن يقول للزمن لقد كنت هنا، وخفتُ، وأحببتُ، وتأملتُ السماء.
ولهذا لا تولد النصوص الأدبية من الكلمات وحدها، بل من حاجةٍ داخلية تشبه الحاجة إلى التنفس. فالنص الحقيقي لا يُكتب لأن الكاتب يريد الكتابة فقط، بل لأنه لم يعد قادرًا على الصمت. هناك دائمًا شيء ما يفيض في الداخل فكرة، ذكرى، ألم، سؤال، صورة، نداء غامض، أو ذلك الإحساس العجيب بأن العالم أوسع من أن يُعاش دون لغة.
لكن الكتّاب لا يدخلون إلى النص من الباب نفسه. بعضهم يبدأ بالفكرة، وآخرون يبدأون بالإحساس، وغيرهم يبدأون بالصوت، أو بالإيقاع، أو بصورةٍ لا يفهمونها تمامًا لكنها تظل تطاردهم حتى تتحول إلى كتابة. ولهذا اختلفت طرائق الكتابة عبر العصور، واختلفت معها طبيعة النصوص، ودرجة بقائها، وقدرتها على الوصول إلى القارئ.
هناك من يكتب كما يبني مهندسٌ معبدًا. تبدأ الكتابة عنده بفكرة واضحة، ثم تتشكل الشخصيات والمشاهد والجمل لخدمة تلك الفكرة. هذا النوع من الكتابة نجده كثيرًا في الروايات الفكرية والفلسفية، حيث يكون النص محاولةً لفهم الإنسان أو التاريخ أو السلطة أو الخير والشر. في هذه الكتابة تكون اللغة عقلًا يفكر، لا قلبًا يرتجف. وهي كتابة تمنح النص عمقًا ووضوحًا، لكنها أحيانًا تقع في خطرٍ خفي؛ إذ يتحول العمل الأدبي إلى خطبة طويلة، وتتحول الشخصيات إلى أدواتٍ تشرح أفكار الكاتب بدل أن تعيش حياتها الخاصة.
وفي المقابل، هناك كتابة لا تبدأ بالفكرة أصلًا، بل تبدأ برجفة. قد تكون رائحة بيت قديم، أو خوفًا مفاجئًا، أو حزنًا بلا سبب، أو لحظة صمت طويلة أمام نافذة ممطرة. هنا لا يعرف الكاتب إلى أين يذهب النص، بل يذهب معه. اللغة في هذا النوع ليست وسيلة لنقل الشعور، بل تصبح هي الشعور نفسه. ولهذا يشعر القارئ أحيانًا أن بعض النصوص لا تُقرأ، بل تُعاش من الداخل. غير أن هذا الطريق أيضًا محفوف بالخطر لأن الكاتب قد يغرق في غموضه الخاص، فيكتب نصًا لا يفتح بابًا للقارئ بل يغلقه عليه.
وربما كانت أعمق الكتابات في التاريخ هي تلك التي تعاملت مع اللغة بوصفها كشفًا لا صناعة. في النصوص النبوية والمقدسة لم تكن الكلمة مجرد أداة تعبير، بل كانت حدثًا روحيًا يهزّ الوعي الإنساني. اللغة هنا لا تصف العالم فقط، بل تعيد خلق العلاقة بين الإنسان والوجود. ولهذا بقيت النصوص المقدسة حية عبر القرون؛ لأنها لا تعطي معنى واحدًا مغلقًا، بل تمنح كل عصر فرصةً جديدة لاكتشافها من جديد. إن سرّ خلود هذه النصوص ليس في قداستها وحدها، بل في قدرتها العجيبة على الجمع بين البساطة والعمق، بين الموسيقى والمعنى، بين الرمز والوضوح.
ومن هذه النقطة بالذات تعلّم الأدب العظيم كيف يعيش طويلًا. فالنصوص الخالدة لا تُستهلك في قراءة واحدة، لأنها لا تكشف كل شيء دفعةً واحدة. إنها تترك فراغات صغيرة يدخل منها القارئ، فيصبح شريكًا في خلق المعنى لا مجرد متلقٍ له. القارئ لا يحب النص الذي يشرح له العالم بالكامل، بل النص الذي يسمح له بأن يرى نفسه داخله. ولهذا تبقى بعض الروايات والقصائد حيّة رغم مرور القرون، بينما تموت آلاف الكتب فور انتهائها؛ لأن النص الحي ليس هو النص الذي يقول كل شيء، بل النص الذي يوقظ شيئًا نائمًا في قارئه.
ولعل الخطأ الأكبر في فهم الكتابة هو الاعتقاد أن جمال النص يكمن في زخرفته اللغوية فقط. فاللغة الجميلة وحدها لا تصنع أدبًا حيًا. هناك نصوص مليئة بالاستعارات لكنها بلا روح، كتماثيل متقنة الصنع لكنها باردة. إن ما يجعل النص حيًا حقًا هو ذلك النبض الخفي الذي لا يُدرَّس في كتب البلاغة: الصدق. ليس الصدق بمعناه الأخلاقي البسيط، بل الصدق الوجودي أي أن يشعر القارئ أن الكاتب كتب لأنه كان مضطرًا للكتابة، لا لأنه أراد أن يبدو ذكيًا أو بليغًا.
ولهذا فإن أكثر النصوص نضوجًا ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا، بل الأكثر قدرةً على الجمع بين الفكر والإحساس، بين الموسيقى والمعنى، بين العمق والبساطة. النص العظيم يشبه الكائن الحي؛ له جسد هو اللغة، وله روح هي التجربة الإنسانية التي تسكنه. وإذا انفصل الجسد عن الروح مات النص مهما بلغت فصاحته.
وحين ننظر إلى الكتابة عبر التاريخ، من الملاحم القديمة إلى الرواية الحديثة، ومن الحكمة الشرقية إلى الشعر الصوفي، ومن النصوص المقدسة إلى اليوميات الشخصية، نجد أن هناك شيئًا واحدًا يجمع كل الكتابات العظيمة: محاولة الإنسان مقاومة الفناء. فالإنسان يكتب لأنه يدرك هشاشته، ولأنه يعرف أن الزمن يمحو كل شيء، فيحاول أن يختبئ داخل اللغة قليلًا.
إن الكاتب، في النهاية، لا يخلق الكلمات فقط، بل يخلق طريقةً جديدة لرؤية العالم. وكل نص حقيقي هو ولادة ثانية للحياة داخل اللغة. ولذلك تبقى الكتابة أعظم محاولة بشرية لتحويل الألم إلى معنى، والغياب إلى حضور، والزمن العابر إلى أثر لا يزول.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن