|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
بلقيس خالد
2026 / 5 / 8
الناقد الدكتور محمد خالد النبالي..
شعرية القلق في التفاصيل اليومية.
للأديبة والشاعرة بلقيس خالد .
تمتلك بلقيس خالد قدرة لافتة على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى بنية شعرية مشحونة بالدلالة،
حيث لا تبقى الأشياء أشياءً عابرة، بل تتحول إلى كائنات تحمل خوف الإنسان وذاكرته وهشاشته.
وفي "ترتيب القلق" تتجلى فرادة الفكرة بوضوح، فالنص لا يدخل إلى الحرب من صورها المباشرة،
بل من الطعام، والملح، والطحين، وغرفة المؤونة، ليجعل من أكثر التفاصيل ألفةً مساحةً مكتظة بالقلق المؤجل.
هنا يكمن تميز النص الحقيقي- في قدرته على جعل الحياة اليومية نفسها مرآةً نفسية لوطن يعيش على حافة الاحتمال.
نص "ترتيب القلق" يلفت منذ فكرته الأولى، لأنه لا يذهب إلى الحرب من بابها المباشر، بل يدخل إليها من غرفة المؤونة،
من أكثر الأماكن عادية وهدوءًا في البيت. هنا تكمن فرادة النص، أن يتحول ترتيب الأكياس والعلب والرفوف إلى ترتيب داخلي للخوف،
وكأن الإنسان لا يخزن الطعام فقط، بل يخزن احتمالات النجاة.
الجميل أن النص لا يصرخ بالحرب، بل يجعلها تتسرب في الأشياء/ الطحين يصبح احتمال جوع، والأرز جنودًا ينتظرون معركة، والزيت بحرًا سجينًا، والملح دمعة تعرف كيف تختبئ.
هذه القدرة على منح الأشياء اليومية حياة رمزية هي ما أعطى النص عمقه، وجعله يتجاوز الوصف إلى بناء عالم كامل من القلق.
أكثر ما أعجبني أن الكاتبة لم تجعل الخوف حالة عابرة، بل جعلته نظامًا يوميًا للحياة. فالمؤونة هنا ليست علامة اطمئنان،
بل دليل على أن الأمان نفسه صار مؤجلًا. حتى جهاز التبريد يحاول أن يجمد القلق كي لا يفسد، وهذه صورة ذكية جدًا لأنها تختصر فكرة النص كلها/ الخوف صار شيئًا يجب حفظه وتنظيمه والتعايش معه.
النهاية موفقة وموجعة، فترك نسخة من الذات ترتب المؤونة كما ترتب نهاية مؤجلة، يمنح النص بعدًا نفسيًا عميقًا.
كأن الإنسان في أزمنة الخطر لا يعيش كاملًا، بل يترك جزءًا منه داخل الاستعداد الدائم لما قد يحدث.
نص مختلف فعلًا، فكرته طازجة، ولغته مشحونة بالدلالة، وفيه وعي جميل بكيف يمكن للتفصيل اليومي البسيط أن يكشف خرابًا أوسع من الكلام المباشر. إبداع حقيقي .
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |