«الصهيونية لم تنحرف عن مسارها، بل تشكلت هكذا منذ البداية»

جدعون ليفي
2026 / 5 / 7

الصهيونية، في جوهرها، هي الإيمان بالتفوق اليهودي بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، ومثل أي أيديولوجيا أخرى تقوم على التفوق العرقي أو القومي أو الديني، فهي أيديولوجيا تفتقر إلى الشرعية.

ليس من السهل أن تكون إسرائيليا ومعاديا للصهيونية. بل إن ذلك يكاد يكون مستحيلا. فهذا المزيج يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره خيانة وهرطقة وافتقارا لأي شرعية. وكان الأمر كذلك منذ أيام إسرائيل القديمة في عهد «مباي»، قبل وقت طويل من الأيام المظلمة لبنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير.
ومنذ الاتحاد السوفييتي، لم توجد دولة أخرى ذات أيديولوجيا إقصائية وجشعة إلى هذا الحد، أيديولوجيا تمنع أي شك أو إنكار، مثل دولة إسرائيل الصهيونية. وحتى أن تكون منفيا معاديا للصهيونية ليس أمرا سهلا، خصوصا إذا كنت من أبناء الأرستقراطية الصهيونية.
عومر بارتوف مؤرخ إسرائيلي أميركي بارز، وباحث في الإبادة الجماعية وخبير في الهولوكوست، ويُدرس في جامعة براون في بروفيدنس بولاية رود آيلاند. وبعد تفكير استمر عامين، توصل بارتوف إلى قناعة بأن إسرائيل ارتكبت بالفعل إبادة جماعية في قطاع غزة.
وقد نشر مقالتين في صحيفة «نيويورك تايمز» عبّر فيهما عن المسار الفكري الذي قاده إلى استخدام توصيف «الإبادة الجماعية»، ما أثار ردود فعل في أنحاء العالم. وأحد الكتب التي ألفها والده الكاتب والصحفي حانوخ بارتوف يحمل عنوان «أن تكبر وتكتب في أرض إسرائيل». أما أحدث كتب عومر بارتوف فهو «إسرائيل: ما الذي جرى على نحو خاطئ؟» — وهي عبارة تختصر الرحلة كلها.
وبمناسبة صدور الكتاب، أجرى بارتوف مقابلة مع «هآرتس» سارع فيها إلى التأكيد أنه ليس معاديا للصهيونية، لما يمثله هذا الاعتراف من ألم وصعوبة. وقال موضحا سبب عدم اعتباره نفسه «مناهضا للصهيونية»: «لقد نشأت في بيت صهيوني. وكان من البديهي بالنسبة لي أن إسرائيل هي مكاني». لكنه غادر هذا البيت منذ عقود، وتصريحاته تدفع المرء للتساؤل عن مخاوفه، أو ربما شعوره بالخجل، من الاعتراف بأنه معاد للصهيونية، وهو أمر ما زال, ظاهريا, يفتقر إلى الشرعية.
يقول بارتوف إن الصهيونية محكوم عليها بالاختفاء، وإن إسرائيل لا يمكن أن تستمر كدولة طبيعية تحت هذه الأيديولوجيا، وإن كانت الصهيونية قد قادت إلى إبادة جماعية في غزة، فلا يمكنها أن تبقى أيديولوجيا مقبولة. ومن الصعب العثور على مواقف أكثر شجاعة وصوابا, أو أكثر معاداة للصهيونية, من هذه المواقف.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتردد بارتوف في وصف نفسه بأنه معاد للصهيونية؟ لا يوجد دليل أوضح من ذلك على عمق التلقين المغروس في قلوب كل يهودي نشأ هنا. فمثقف إسرائيلي يعيش في المنفى، ناقد وحاد الذكاء، لا يجرؤ على تعريف نفسه بأنه معاد للصهيونية، رغم أن حججه تشهد بأنه كذلك.
من الضروري كسر هذا التحريم. يحق للإسرائيلي، حتى لو كان منفيا، أن يكون معاديا للصهيونية وبذات الوقت دون ان يكون مدان شرعيا. فالصهيونية أيديولوجيا يمكن مساءلتها مثل أي أيديولوجيا أخرى. وهي تقوم في جوهرها على الإيمان بالتفوق اليهودي بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، ومثل أي أيديولوجيا أخرى تؤمن بالتفوق العرقي أو القومي أو الديني، فهي أيديولوجيا غير شرعية.
لكن مقاربة بارتوف تختلف عن التيارات المناهضة للصهيونية المزدهرة اليوم حول العالم. فهو مقتنع بأن شيئا ما انحرف في تلك الدولة النقية والبريئة التي كانت وطنه يوما ما، وأن خللا ما أصاب أيديولوجيتها الصهيونية النقية. وكأن هناك أيديولوجيا قادت إلى إقامة دولة ذات أخلاق عالية جدا، ثم فجأة حدث خطأ ما. وربما يخفف هذا التصور من آلام وداع بارتوف المؤلم للصهيونية، لكنه على الأرجح ليس الحقيقة.
يقول بارتوف إنه لا يؤمن بذلك النوع من قراءة التاريخ الذي ينتهي بالقول: «لقد كنا نعلم دائما أن الأمور ستؤول إلى هذا المنحى». لكن الحقيقة أنها بدأت هكذا منذ البداية. لم يكن استمرار المسار حتميا، لكن كي يصبح مختلفا كان ينبغي أن يحدث تصحيح، وهو التصحيح الذي لم يحدث أبدا.
مقالات ذات صلة:
لقد أدارت الصهيونية ظهرها للسكان الأصليين الذين عاشوا في فلسطين منذ بداياتها الأولى, منذ أيام «غزو العمل»، الذي دعا اليهود إلى العمل في الزراعة والصناعة، وكان أول أشكال الإقصاء الصهيوني. وقبل وقت طويل من ثورات العرب عام 1929 ومن المحرقة النازية، كانت الحركة تسعى إلى تجريد السكان المحليين من ممتلكاتهم وطردهم.
حينها كما الآن؛ ييغال ألون كما بتسلئيل سموتريتش. تلك كانت البداية، وكانت بداية مشوبة بالخلل. يا بارتوف، الصهيونية لم تتحول إلى شيء آخر, لقد كانت هكذا دائما. وكم كنت أتمنى لو أصبحت امرا مختلفا. ربما لم يفت الأوان بعد.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي