|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2026 / 5 / 7
خلال النصف الأول من الشهر الماضي، لم تكن قضية الاهتمام الأولى للمصريين الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، ولا أي شيء آخر، بل كان محور الاهتمام الأول والمتابعة هو المأساة الخاصة بالبلوجر المصرية بسنت سليمان، سيدة الإسكندرية التي قررت أن تنهي حياتها في بث مباشر، حيث قفزت من الدور الثالث عشر من شرفة إحدى بنايات منطقة سموحة الراقية، في واقعة هزّت الرأي العام وأعادت طرح أسئلة قاسية حول منظومة قوانين الأحوال الشخصية في مصر، ودور الدولة والمجتمع والسوشيال ميديا، والضغوط النفسية.
قد يتساءل بعضكم: لماذا تأخر مقالي هذا عنها، وهي التي “استأذنت للانصراف من عالمنا” قبل أسابيع؟
الإجابة ببساطة أنني، كلما أمسكت جهازي اللوحي لأكتب، تعاودني تلك الحالة الجارفة من الغضب التي استولت عليّ منذ لحظة إدراكي لحجم ما تعرّضت له من أسباب ووقائع، ومنهج كامل من الممارسات والتصرفات التي دفعتها دفعًا إلى اتخاذ قرارها بالانتحار، ثم تنفيذه على الهواء مباشرة أمام أعين الملايين، في مشهد لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والنفسي.
لم يكن ذلك مجرد فعل فردي عابر، بل تحوّل، بقسوته وعلنيته، إلى شهادة إدانة صريحة تكاد تكون وصمة أبدية، موجّهة إلى الدولة والمجتمع معًا. شهادة كتبتها بقرارها الأخير ووقّعتها أمام الجميع، وكأنها تقول إن التراكم الطويل من الإهمال والتواطؤ وغياب منظومة حماية حقيقية للنساء في مصر هو السبب...وما يجعل هذا الغضب مستمرًا، بل ومتجددًا، أن السبب الجوهري لما أقدمت عليه لا يزال مغيّبًا عمدًا؛ لا يُذكر ولا يُناقش، وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا على دفنه. حالة فاضحة تزكم الأنوف بمجرد الاقتراب منها، وتكشف كيف يمكن للصمت أن يكون شريكًا كاملًا في صناعة المأساة، سواء مجتمعيًا أو نتيجة ضعف التدخل، أو ترك النساء المصريات يواجهن مصيرهن وحدهن حتى النهاية.
لهذا تحديدًا، ومع قدر من الهدوء النسبي الذي حاولت أن أستجمعه، شرعت في كتابة هذا المقال، محاولًا قدر الإمكان الموازنة بين الغضب والطرح، دون أن أفقد وضوح الحقيقة أو حدّة الإدانة، لأن القضية لا تتعلق بحادثة فردية فقط، بل ببنية كاملة من الضغوط والتجاهل والتراكمات التي لا يمكن اختزالها في لحظة سقوط.
في السطور التالية بعض فصول المعاناة، أو ما يمكن اعتباره (عوارض السبب الأصلي، المرض المعلوم الممنوع ذكره)، الذي يبدو أن الاقتراب من جوهره غير مرحّب به، والتي عانتها بسنت مع زوجها ميسور الحال، والذي يعمل مهندسًا في إحدى الدول الخليجية، وهو ابن لواء شرطة توفي منذ فترة وجيزة، بعد أن أذاقها الأمرّين. وله أيضًا شقيق يعمل ضابط شرطة، مما يؤكد حجم ونفوذ الأسرة.
وكما يعلم الجميع، في مصر، بلدي التي يحكمها نظام ذو طابع سلطوي عسكري، يمكن لـ"أمين شرطة" متنفذ أن يحوّل حياة مواطن عادي إلى كتلة من الجحيم، فما بالنا بلواء ومعه مقدم داخل الجهاز الشرطي.
أشارت بسنت سليمان في أكثر من ظهور إعلامي إلى أنها عاشت داخل علاقة زوجية سابقة مليئة بالتوتر والصدامات المستمرة، انعكست بشكل مباشر على استقرارها النفسي. وتحدثت عن تعرضها لضغط شديد وإهانات متكررة من طليقها، وكذلك من والده ووالدته، وسردت سلسلة من الممارسات التي حدثت معها، والتي "للإنصاف لو حدث" جزء بسيط منها في دولة تُطبق القانون، لكان من ارتكبها خلف القضبان.
كما تحدثت عن عدم الالتزام بالإنفاق والالتزامات الخاصة بتربية طفلتيها بعد الانفصال. ومع تراكم هذه الضغوط دون انفراجة حقيقية، وصلت إلى حالة إنهاك شديد انتهت بالمأساة التي هزّت الرأي العام. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا كانت هذه كل العوارض والظواهر التي أتحدث عنها، فما هو المرض إذن، السبب الأصلي؟ حسنًا… سأجيب.
تستند قوانين الأحوال الشخصية في مصر حتى اليوم، والمطبقة على المصريين المسلمين، بشكل أساسي إلى الفقه الحنفي (المذهب الحنفي)، وهو المذهب الرسمي المعتمد في معظم مسائل الأسرة، وذلك وفقًا للقانونين رقم 25 لسنة 1920 ورقم 25 لسنة 1929 وتعديلاتهما. كما اعتمد المشرّع المصري على مبدأ الانتقاء الفقهي (التخيير) في بعض التعديلات، مثل قانون 100 لسنة 1985، فاستعان بآراء من المذاهب السنية الأخرى (المالكي، الشافعي، والحنبلي) في مسائل مثل الطلاق للضرر والنفقات، للخروج من ضيق بعض آراء المذهب الحنفي في هذه القضايا.
وتشهد الساحة منذ فترة ليست بالقليلة حوارات متواصلة حول مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، يُتداول أنه قد يدخل حيّز التنفيذ خلال عام 2026. ويقع المشروع في نحو 355 مادة، ويهدف إلى تحديث المنظومة، مع السعي إلى إرساء قواعد يُقال إنها مبنية على الشريعة الإسلامية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل أنصف الإسلام المرأة؟ وهل أنصفتها الشريعة، المستمدة من الآيات والنصوص و الأحاديث، في تطبيقاتها الفقهية الحالية؟؟
قولا واحدًا ونهائيًا وفاصلًا: لم ينصفها على الإطلاق، تلك هي الحقيقة المؤكدة، خاصة أن جميع الاجتهادات الفقهية التي أُشير إليها، على اختلاف مذاهبها، تظل في النهاية محكومة بإطار مرجعي واحد، تدور داخله ولا تجرؤ على الخروج عنه.
إن ما حدث مع بسنت لم يكن استثناءً، بل نتيجة منطقية لتراكم طويل من اختلالات قانونية واجتماعية ونفسية، جرى تقنينها وشرعنتها وفق مرجعية تُقدَّم بوصفها حاكمة، فتُفرغ المرأة من ذاتها، وتختزل دورها في إشباع الرجل وتلبية رغباته، على حساب روحها وكيانها الإنساني المستقل. وبطبيعة الحال، تُنتج هذه المنظومة الجائرة في النهاية واقعًا تُترك فيه المرأة لمواجهة مصيرها منفردة، بلا حماية كافية، وبلا آليات إنصاف فعّالة.
فأي نقاش جاد حول هذه المأساة لا يمكن أن يتوقف عند حدود التعاطف أو الإدانة، بل يجب أن يمتد إلى مراجعة ضميرية حقيقية للمنظومة بأكملها: قوانينها، مرجعياتها، وآليات تطبيقها، ومدى صلاحيتها في عالم اليوم، عالم ما بعد الحداثة.
لهذا، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: إلى متى سيستمر هذا النمط في إنتاج المآسي؟
وهل هناك إرادة حقيقية لكسر هذه الدائرة، أم أننا سنظل ننتظر الضحية التالية؟ لقد كانت آخر عبارات بسنت سليمان في فيديوها الأخير لمتابعيها (((خدوا بالكم من البنتين))) فلعلّي، بهذا المقال، أكون قد قمت بما يمليه عليّ ضميري، بتناول السبب الأصلي، عسى أن يساهم هذا الطرح في كشف الحقيقة، ولو بقدر، قبل أن تتكرر المأساة من جديد.
تنويه مهم: نُشر هذا المقال اليوم في نسخته الأصلية باللغة الإنجليزية في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ويُنشر هنا حصريًا باللغة العربية في «الحوار المتمدن».
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |