|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 5 / 6
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
7 أيار/مايو 2026
في مقال لافت نُشر في الأول من مايو/أيار 2026 بعنوان «الولاءات لم تعد كافية»، يقدّم المعلّق الروسي بوريـس روجين المعروف باسم كولونيل كاساد قراءة داخلية حادة للتحولات التي تعيشها روسيا في ظل الحرب، لا تقتصر على ملف الفساد أو إعادة ترتيب المسؤولين، بل تمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ونخبها السياسية والإقتصادية.
ينطلق الكاتب من فكرة محورية مفادها أن الحرب لم تُنتج المشكلات بقدر ما كشفتها، إذ يكتب أن «الحرب كشفت كثيرًا من المشكلات، ومنها عدم كفاية الولاء الشكلي وتظاهر بعض المسؤولين بالعمل والإنجاز لحل المهام المرتبطة بالمجهود الحربي». أي أن مظاهر الإنضباط السياسي لم تعد كافية إذا لم تُترجم إلى نتائج فعلية على الأرض.
من الولاء الشكلي إلى منطق الإنجاز
في هذا السياق، يشير المقال إلى أن الدولة الروسية باتت تتعامل بصرامة أكبر مع ما يسميه الكاتب الموالين الشكليين، حيث يصف المرحلة بأنها «موجة إعتقالات واسعة، لأنّه من دون تنظيف الجهاز الإداري من الموالين الشكليين والمقلّدين والفاسدين، يصبح تحقيق الأهداف صعبًا».
هذا التحول يعكس إنتقالًا من منطق “الولاء الرمزي” إلى منطق “الفعالية”، حيث لم يعد الإكتفاء بإظهار الدعم السياسي كافيًا لضمان البقاء داخل البنية الإدارية للدولة.
ويضيف الكاتب أن الأجهزة المختصة باتت تتحرك بشكل أكثر منهجية في ملفات الفساد، موضحًا أنها «تقوم بشكل منظّم بإسترداد الأموال من القضاة ورؤساء البلديات والمحافظين والنواب والجنرالات»، في إشارة إلى إتساع نطاق التدقيق المالي داخل مؤسسات الدولة.
مأساة جيل كامل من النخب
لكن البعد الأعمق في المقال يظهر عند حديثه عن النخب الروسية نفسها. إذ يكتب أن «قسمًا كبيرًا من نخبنا كان يؤمن حتى وقت قريب بالإندماج السلس مع الغرب، وبأوروبا من لشبونة إلى فلاديفوستوك، وبالإنضمام إلى المليار الذهبي، وبحماية رؤوس الأموال المهرّبة إلى الغرب».
ثم يضيف أن ما يحدث اليوم يمثل «مأساة جيل كامل» من هذه النخب، التي نشأت بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي على فرضية أن روسيا ستظل جزءًا من النظام المالي الغربي، حتى لو بقيت على هامشه سياسيًا.
لكن العقوبات الغربية، وتجميد الأصول، والمصادرات، والعزلة الإقتصادية، نسفت هذه الفرضية بالكامل. وبحسب الكاتب، فإن جزءًا كبيرًا من النخبة الروسية لم يخسر ثروته فقط، بل خسر تصورًا كاملًا عن موقع روسيا في العالم.
بين الغرب والدولة: حصار مزدوج
يوضح المقال هذا الوضع بقوله إن النخب اليوم تعيش بين ضغطين متزامنين:
«من جهة، الغرب لا يقبلهم ويقوم بمصادرة أموالهم ببساطة. ومن جهة أخرى، الدولة تشدّ الخناق على النخب الإدارية والإقتصادية في إطار ضمان البقاء العسكري والسياسي».
وبذلك تجد هذه النخب نفسها محاصرة بين عالم خارجي لم يعد آمنًا لأموالها ومصالحها، ودولة داخلية لم تعد تتسامح مع الإمتيازات التقليدية التي نشأت في مرحلة ما بعد التسعينيات.
صعود التشدد وبقاء التوازنات
رغم هذا التشدد، يشير الكاتب إلى أن البنية المؤسسية للدولة لم تتحول إلى نموذج مغلق بالكامل، موضحًا أن «نظام الضوابط والتوازنات الذي وُضع في التسعينيات لم يختفِ». أي أن روسيا ما زالت تعمل ضمن توازنات بين مراكز قوة مختلفة، رغم تصاعد دور الأجهزة الأمنية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور جهاز الأمن الفيدرالي الروسي والإدعاء العام الروسي في ضبط ملفات الفساد والتحقيقات، دون أن يصل الأمر، بحسب الكاتب، إلى نموذج مركزي مطلق على غرار بعض التجارب الأخرى مثل الحرس الثوري الإيراني في إيران.
تحولات أعمق: من الغرب إلى الشرق
ولا تقف دلالات هذا التحول عند حدود الإدارة أو الإقتصاد، بل تمتد إلى مستوى فكري أوسع. ففي الخطاب القومي الروسي، برزت دعوات من مفكرين مثل ألكسندر دوغين لإعادة النظر في بنية النخبة الروسية نفسها، بإعتبار أن النخب التي تشكلت في مرحلة ما بعد الإتحاد السوفياتي لم تعد، من وجهة نظر هذا التيار، مناسبة لقيادة مشروع دولة صدامية مع الغرب.
وفي السياق ذاته، تتصاعد أطروحات تدعو إلى إستدارة روسيا نحو الفضاء الشرقي، عبر بناء منظومة تحالفات أوسع في المجال الأوراسي، في إطار ما يُعرف بمشروع “الأوراسية”، الذي يسعى إلى إعادة تعريف موقع روسيا بين أوروبا وآسيا، بعيدًا عن الفضاء الأطلسي الغربي.
بين السطور: قراءة في التوازنات الداخلية
نعم، يمكن قراءة المقال كتلميح واضح ـ وإن غير مباشر ـ إلى توتر بين فلاديمير بوتين وبين جزء من النخب الإقتصادية والإدارية، لكن ليس بالضرورة صراعًا شخصيًا أو إنشقاقًا مفتوحًا.
المقصود أقرب إلى صراع مصالح وإتجاهات:
•القيادة تريد تعبئة الموارد لخدمة الدولة والحرب.
•بعض النخب نشأت على منطق الربح والإنفتاح على الغرب وحماية الثروة الخاصة.
•الحرب فرضت نموذجًا جديدًا يقوم على الإنضباط والتضحية والسيطرة المركزية.
وحين يتحدث الكاتب عن نخب كانت تحلم بالغرب، وعن مسؤولين يختبئون خلف «ولاء إستعراضي» مع «فعالية متدنية»، فهو يلمّح إلى وجود فجوة ثقة متزايدة تجاه جزء من الطبقة الثرية والبيروقراطية.
لكن في المقابل، لا يبدو أن الهدف هو تفكيك هذه النخب بالكامل، بل إعادة إخضاعها وإعادة توجيهها داخل النظام، بشروط جديدة تضع الدولة فوق رأس المال لا العكس.
خلاصة
ما يقدمه هذا المقال ليس مجرد توصيف لملفات فساد أو تغييرات إدارية، بل قراءة لتحول أعمق: دولة في حالة حرب تعيد تعريف علاقتها بنخبها، ونخب تجد نفسها بين عالم غربي أغلق أبوابه، ودولة داخلية لم تعد تقبل قواعد الماضي.
إنها لحظة إعادة تشكيل صامتة، تتغير فيها قواعد الولاء، وحدود النفوذ، ومعنى أن تكون جزءًا من الدولة الروسية نفسها.