ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي

حسين علي محمود
2026 / 5 / 6

إن ظاهرة تمزيق الكتب أو القيام بسلوكيات استعراضية بعد انتهاء الامتحانات ليست مجرد لحظة فرح عابرة، بل هي في العمق تعبير نفسي واجتماعي مركب عن حالة ضغط طويلة عاشها الطالب وانفجار مؤجل لمشاعر القلق والتوتر.
هذه التصرفات وإن بدت للوهلة الأولى بريئة أو حتى مضحكة في نظر البعض إلا أنها تستحق وقفة جادة لأنها تكشف خللاً أعمق في علاقة الطالب بالتعلم وبنفسه وبالمجتمع من حوله.
يمر الطالب خلال فترة الامتحانات بحالة من التوتر المتراكم ضغط التوقعات الأسرية والخوف من الفشل والقلق من المستقبل والمقارنة المستمرة مع الآخرين.
هذه العوامل تصنع ما يشبه غلياناً داخلياً لا يجد متنفساً صحياً للتعبير وعندما تنتهي الامتحانات، ينفجر هذا التوتر بشكل فجائي، فيتحول إلى سلوكيات تفريغية كتمزيق الكتب أو الصراخ أو الرقص المبالغ فيه أو القيام بحركات استعراضية.
في علم النفس يفهم هذا بوصفه تفريغاً انفعالياً غير منظم حيث لا يمتلك الفرد أدوات صحية لإدارة مشاعره، فيلجأ إلى سلوكيات رمزية قد تكون مؤذية أو غير لائقة.
تمزيق الكتاب تحديداً ليس فعلاً عابراً، بل يحمل دلالة رمزية خطيرة، إذ يعكس نوعاً من القطيعة مع المعرفة أو اعتبارها عبئاً يجب التخلص منه فور انتهاء الامتحان.
هنا يظهر خلل تربوي واضح حيث تحول التعليم من كونه عملية بناء ووعي إلى مجرد وسيلة اجتياز واختبار وحين يختزل العلم في ورقة امتحان، يصبح الكتاب شيئاً مؤقتاً بلا قيمة حقيقية ينتهي دوره بانتهاء الاختبار وهذا مؤشر على غياب التربية المعرفية العميقة التي تربط الطالب بالعلم كقيمة مستمرة لا كمرحلة عابرة.
إذا تركت هذه السلوكيات دون توجيه قد تترك آثاراً بعيدة المدى على شخصية الطالب، فهي تعزز الاندفاع بدل التنظيم وتضعف تقدير قيمة المعرفة وتكرس الهروب من مواجهة الضغوط بدل تعلم إدارتها.
وقد يشعر بعض الطلاب لاحقاً بنوع من الندم أو الفراغ ما يؤثر في نظرتهم إلى أنفسهم وإلى ما أنجزوه إضافة إلى أن الأخطر من ذلك، أن هذه الظاهرة حين تنتشر تتحول من سلوك فردي إلى نمط ثقافي حيث يصبح تمزيق الكتب طقساً احتفالياً وينظر إلى المدرسة كمصدر ضغط يجب التخلص منه لا كمجال للنمو والبناء.
ومع الزمن قد يسهم هذا في إنتاج جيل قلق غير متوازن، يفتقر إلى علاقة صحية مع التعلم ويختزل النجاح في مجرد انتهاء الضغط لا في اكتساب المعرفة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع أو العقاب فقط، بل بفهم جذورها وإعادة بناء السياق الذي أنتجها.
حين يُقدَّم الامتحان للطالب بوصفه جزء من عملية التعلم لا حكماً نهائياً على قيمته، تخف حدّة التوتر ويقل احتمال الانفجار بعده.
وحين يتعلم الطالب مهارات بسيطة لإدارة الضغط مثل تنظيم وقته والتعبير عن مشاعره بالكلام أو الكتابة وممارسة نشاط بدني يصبح قادراً على تفريغ توتره بطريقة أكثر وعياً وأقل فوضوية.
كما أن توفير بدائل إيجابية للتعبير بعد الامتحانات كأنشطة رياضية أو فنية أو اجتماعية يساعد على تحويل لحظة التفريغ من سلوك هدام إلى تجربة إنسانية صحية.
يبقى للكتاب مكانته التي ينبغي استعادتها لا بوصفه أداة امتحان، بل رفيق معرفة وحين يشعر الطالب أن ما بين يديه ليس مجرد أوراق للنجاح المؤقت بل قيمة يمكن أن تعيش معه، سيتغير سلوكه تلقائياً.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة معاً في تخفيف الضغط غير المبرر وفي تقديم نموذج يحترم العلم ولا يختزله في درجات.
ولا ننسى أن الطالب يتشكل من البيئة التي يعيش فيها، فإذا رأى احتراماً للمعرفة تعلم احترامها وإذا رأى استهتاراً بها كرسه في سلوكه.
إن هذه الظاهرة ليست شغباً عابراً كما يصفها البعض بقدر ما هي رسالة صامتة تقول إن الطالب مرهق وقلق ولا يمتلك دائماً اللغة المناسبة للتعبير.
كذلك تجاهل هذه الرسالة يترك المشكلة تتفاقم أما الإصغاء لها فيمنحنا فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر توازناً بين الطالب والتعلم وبين الإنسان ومشاعره.
ليس المطلوب كبح الفرح بعد الامتحان، بل تهذيبه وتوجيهه ليصبح تعبيراً عن إنجاز لا انفجاراً من ضغط وبذلك نقترب من تكوين جيل لا يخاف من التعلم ولا يفر منه، بل يعي معناه ويقدر أثره في حياته.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي