إقطاعيات الأكاديميا

راقي نجم الدين
2026 / 5 / 6

تمثل البيئات الأكاديمية في كثير من الأحيان نموذجاً صارخاً للمحافظة الفكرية ومقاومة التغيير، إذ تتحول الأقسام العلمية إلى إقطاعيات فكرية مغلقة يسود فيها منطق "هذا ما جرت به العادة" كحجة نهائية لإجهاض أي محاولة للتطوير. هذه العقلية التي ترفض التغيير تحت دعوى الحفاظ على التقاليد الأكاديمية الموروثة، ليست في حقيقتها سوى تهرب كسول يفتقر إلى الرؤية الاستشرافية. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل أصبحت قداسة التقاليد والعادات البالية أهم من جودة البحث العلمي وتحديث المناهج؟
إن فكرة "إصلاح ما لم ينكسر" هي، في جوهرها، تبرير للركود؛ فالنظم الأكاديمية التي ترفض مراجعة ذاتها دورياً هي أنظمة متهالكة بنيوياً، حتى وإن بدت مستقرة ظاهرياً. إن الإصرار على التخندق في الماضي يحول الجامعات من مراكز للإشعاع المعرفي إلى "متاحف للتاريخ الفكري". وليس في التشبث بالحلول القديمة – مهما بلغت درجة عدم كفاءتها – أي حكمة، بل هو نوع من "الغباء المؤسسي" الذي يعطل حركية التقدم العلمي.
إن عقلية "إبقاء الأمور على ما هي عليه" هي عقلية تنظر إلى الوراء وغير مرنة ومقاومة لأي نوع من التغيير الإيجابي، وهي تعكس خوفاً عميقاً من الخروج من منطقة الراحة التي يوفرها الاستسلام للرضا المريح. وهذا يقودنا إلى التساؤل الجوهري: لماذا نسعى إلى التقدم طالما لا يوجد ما هو أفضل من الاستسلام لهذا الرضا الوهمي؟
تشبه العديد من الأقسام الأكاديمية في مقاومتها للتغيير نظام الإقطاع التاريخي، حيث تتحول إلى مناطق نفوذ يسيطر عليها فرد أو مجموعة قوية واحدة، وتصبح مجالات منعزلة مكتفية بذاتها، حيث يتمتع الأساتذة الكبار بسلطة مطلقة ويُملون القواعد والعادات دون الكثير من التأثير أو الإشراف الخارجي. وفي هذه الإقطاعيات الأكاديمية، يتحول الأساتذة إلى حكام إقطاعيين يمارسون نفوذاً وسلطة هائلة على إقطاعياتهم الفكرية، محافظين على سيطرة صارمة على المناهج والبحوث والموارد، ويفرضون العادات والتسلسلات الهرمية التقليدية، ويقاومون التغييرات التي يقترحها أعضاء هيئة التدريس الأصغر سناً أو الطلاب.
وفي هذا النظام الإقطاعي الأكاديمي، يتحول طلاب الدراسات العليا إلى نوع من "الأقنان" الأكاديميين، الخاضعين لأهواء ومطالب "سادتهم" من الأساتذة، في هياكل سلطة جامدة تحول دون التقدم الحقيقي، مع قدر ضئيل من الحركة أو الاستقلال للطلاب.
وهكذا تتحول أقسام كاملة إلى "ممالك" صغيرة مقيدة بالتقاليد، تقاوم كل جديد وتفرض على طلابها الالتزام الصارم بمناهجها وأساليبها الجامدة. فتسود ثقافة مؤسسية تفضل الحفاظ على العادات الراسخة على حساب القدرة على الابتكار، وتختار البقاء في البرج العاجي بدلاً من الانخراط في الحراك الفكري المعاصر.
إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الجامعات من فضاءات للنقد والإبداع إلى مؤسسات تحرس التقليد وتخاف التغيير. فالأستاذ الذي يرفض الحوار النقدي حول البحث والتعليم لا يؤدي دور العالم أو المربي، بل دور الحارس على إقطاعيته الصغيرة. والتحدي الحقيقي أمام الأكاديميا المعاصرة هو كسر هذه النماذج الإقطاعية وبناء بيئات علمية منفتحة، تعددية، وقادرة على احتضان التغيير بوصفه شرطاً أساسياً للتطور المعرفي.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي