اللا شيء !!

محمود الزهيري
2026 / 5 / 6

كاد أن ينفجر , أو يصاب بجلطة دماغية , أو سكتة قلبية , وتحدث بإنفعال وغضب لم أعهده عليه من قبل, ورفع صوته علي غير المعتاد , بنبرات مشبعة بالحزن والأسي, ومغموسة في الوجع , وقال بصوت مخنوق أحياناً , ومشبع بالدموع , وصارخ أحيان أخري :
الأن , نعم الأن , أستشعر مدي غربتي , وأحس بإغترابي في الزمان والمكان , نعم الأن , أستشعر مدي وضاعة المجتمع الذي ولدت فيه وعشت فيه عقود من الزمن , فلم أجد تغيير أو تحسن للأفضل ابداً , وكافة الأمور تنتقل بنا وننتقل بها من سيء لأسوأ , مازلت أشعر بالإختناق من حياة صار الملل والتردي والوضاعة المتسيدة علي العقل والمشاعر والأحاسيس والوجدان , لدرجة أنني صرت أخشي من كتابة نص نثري أعبر فيه عن مأساتي وأحزاني وسقطاتي وانكساراتي , وما أتطلع اليه بعقلي , وما تهفو إليه روحي , وما تسر به نفسي , إلا أن الخوف من وضاعة مجتمع وحقارته وتدنيه صار يعمل رقيباً علي عقلك ونفسك وروحك , وجسدك , وصرت تخشاه وتخشي لقمة الخبز المرة المغموسة بغموس الذل والمهانة , والخوف من أنك قد يأتي عليك الوقت لاتجد لقمة الخوف وغموس الذل والمهانة , والعبودية لعادات وتقاليد وموروثات دينية واجتماعية مزيفة , ومصنوعة علي مسطرة شهوات ورغبات ونزوات وغرائز مجتمع مريض مهووس بالشرف والعفة المصطنعة , رقابة أناس تربوا علي الخوف والنفاق والرياء , لدرجة أنهم يرتكبوا كافة جرائمهم الأخلاقيه في السر , وينافقوا في العلن , ويظهروا بمظهر الطهر والعفاف والشرف , وهم من هذه القيم برآء , لأنهم متخاصمون معها في الباطن ورافعي رايتها في الظاهر , رقابة مجتمع, يريدك أن تكون علي مسطرة عقولهم ونفوسهم, بل ويتعدي الأمر لتكون علي مسطرة أقاربهم وأصدقائهم وزملائهم في الدراسة أو العمل , رقابة حقيرة هي الأخري , تريد منك أن تكون عبداً مملوكاً لمصالحهم , وكأنك ثور معلق بخشبة في ساقية مهجورة , تم تغمية عينيه ليدور في مدارها, وإن توقف عن الدوران يتم ترهيبه بالأصوات المنكرة والشتائم تارة , وبالضرب بالعصا تارة اخري , ليكمل دوره في ري حقل لايمل من الري ولاترتوي أرضه من ماء وكأنها عطشي علي الدوام لتشرب من عرقك ومجهودك وترتوي من دمائك , وتحرق أعصابك من أجلها, وفي النهاية , تكون عبداً مملوكاً ذليلاً , ومسلط عليك عصا الطاعة, وعصا الرقيب , لدرجة أنك تخشي مما يتحارب داخل عقلك ومشاعرك والإعلان عنها والإنباء بها لأي إنسان مهما كان كرم وشرف عقله واخلاقه , وتزداد المصيبة إذا كان هذا الإنسان من المعتصمين بالعقل, ومن ذوي شرف العقل والأخلاق, ممن تتعلم منه كل يوم جديد , وترتقي بعقلك , ووجدانك , وتسمو بروحك لترتقي لمرتبة الإنسان , ويجعلك تنظر للقيم والأشياء بنظرة إنسانية عادلة متزنة , ويجعلك تغير نظرتك في منظومة المحرمات والمباحات واللامساسات والتابوهات والمقدسات , فهو لن تجد مثيله في الوصف أو الشبه , ولايمكن ان يعادله في العقل وشرفه , وفي الأخلاق وسموها , وفي الأدب ورقيه , وفي البلاغة والشعر والكتابة وهو سيدهم وملك الحروف والكلمات وسيد المعاني , فحينما يكون لك شرف التعامل مع من هومثله , يتم اتهامك , وكأنك ترتكب جريمة أو تقترف معصية أو تمارس كبيرة من كبائر الدين , ومن ثم , تجد راية الحرب المرفوعة , ونفيرها يزعق ليصم الآذان , وهذا كله لأنك مختلف , نعم مختلف , والإختلاف لديهم جريمة , والإنتماء للقطيع كأنه قمة الفضيلة ..
صدقني ياصديقي :
أنا مخنوق .. محزون وموجوع , وكأن الحياة صارت موت , وكأن الدنيا أظلمت في عيني , وكأنني أصبت بالعمي فلا أري شيء , ولا أري نفسي , فأنا أتمزع أشلاء متناثرة , ولم ولن أجد من يلملم أشلاء عقلي وروحي الممزقة , بلا سبب إلا الجهل والعمي المحتمي بالأنا العمياء التي إرتقت إلي أعلي مراتب الحقارة والتدني العقلي والأخلاقي , وهذا ماكان يحدث طوال فترة زادت عن عقود من الزمن المر ير , الذي لم أجد فيه راحة نفسي وطمأنينة روحي وهدوء عقلي ..
وفي النهاية :
لماذا هذا كله , ولماذا الإصرار علي العبودية بمزاعم الحفاظ علي موروثات تريدك عبداً خادماً طيعاً , محروماً من أجل أن يصيروا هم أسياداً وسادة مترفين منعمين , وتضمن لهم مستقبلهم , وأنت لايهم أن يكون لك حاضر ..
وبحق :
قلت له , بحميمية شديدة وصدق :
العزلة ليست حلاً ..
واستمرار المخالطة ليست حلاً ..
و إن كان فليكن بشروطك أنت , لا بشروطهم , وكن إنساناً , وتحمل مسؤلياتك تجاه عقلك ونفسك وروحك , وتجاه المجتمع ..
وكررت علي ذلك بهدوء : كن إنساناً ولاتكن غيره !! , نظر إلي نظرة حيرة وقلق , وأسقط وجهه بين راحتي يديه , وأخذ يبكي ويهمهم , وصار صوت بكاؤه كأنه صراخ مكتوم , ثم أخذ ينظر في اللاشيء وتحدث بصوت خفيض مشبع بنبرات اليأس : كل المساعي صارت مشلولة , ليس هنا إرادة , ولا هناك ضمير , والصبر تحول إلي سجن كبير !!

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي