|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمود الزهيري
2026 / 5 / 6
كاد أن ينفجر , أو يصاب بجلطة دماغية , أو سكتة قلبية , وتحدث بإنفعال وغضب لم أعهده عليه من قبل, ورفع صوته علي غير المعتاد , بنبرات مشبعة بالحزن والأسي, ومغموسة في الوجع , وقال بصوت مخنوق أحياناً , ومشبع بالدموع , وصارخ أحيان أخري :
الأن , نعم الأن , أستشعر مدي غربتي , وأحس بإغترابي في الزمان والمكان , نعم الأن , أستشعر مدي وضاعة المجتمع الذي ولدت فيه وعشت فيه عقود من الزمن , فلم أجد تغيير أو تحسن للأفضل ابداً , وكافة الأمور تنتقل بنا وننتقل بها من سيء لأسوأ , مازلت أشعر بالإختناق من حياة صار الملل والتردي والوضاعة المتسيدة علي العقل والمشاعر والأحاسيس والوجدان , لدرجة أنني صرت أخشي من كتابة نص نثري أعبر فيه عن مأساتي وأحزاني وسقطاتي وانكساراتي , وما أتطلع اليه بعقلي , وما تهفو إليه روحي , وما تسر به نفسي , إلا أن الخوف من وضاعة مجتمع وحقارته وتدنيه صار يعمل رقيباً علي عقلك ونفسك وروحك , وجسدك , وصرت تخشاه وتخشي لقمة الخبز المرة المغموسة بغموس الذل والمهانة , والخوف من أنك قد يأتي عليك الوقت لاتجد لقمة الخوف وغموس الذل والمهانة , والعبودية لعادات وتقاليد وموروثات دينية واجتماعية مزيفة , ومصنوعة علي مسطرة شهوات ورغبات ونزوات وغرائز مجتمع مريض مهووس بالشرف والعفة المصطنعة , رقابة أناس تربوا علي الخوف والنفاق والرياء , لدرجة أنهم يرتكبوا كافة جرائمهم الأخلاقيه في السر , وينافقوا في العلن , ويظهروا بمظهر الطهر والعفاف والشرف , وهم من هذه القيم برآء , لأنهم متخاصمون معها في الباطن ورافعي رايتها في الظاهر , رقابة مجتمع, يريدك أن تكون علي مسطرة عقولهم ونفوسهم, بل ويتعدي الأمر لتكون علي مسطرة أقاربهم وأصدقائهم وزملائهم في الدراسة أو العمل , رقابة حقيرة هي الأخري , تريد منك أن تكون عبداً مملوكاً لمصالحهم , وكأنك ثور معلق بخشبة في ساقية مهجورة , تم تغمية عينيه ليدور في مدارها, وإن توقف عن الدوران يتم ترهيبه بالأصوات المنكرة والشتائم تارة , وبالضرب بالعصا تارة اخري , ليكمل دوره في ري حقل لايمل من الري ولاترتوي أرضه من ماء وكأنها عطشي علي الدوام لتشرب من عرقك ومجهودك وترتوي من دمائك , وتحرق أعصابك من أجلها, وفي النهاية , تكون عبداً مملوكاً ذليلاً , ومسلط عليك عصا الطاعة, وعصا الرقيب , لدرجة أنك تخشي مما يتحارب داخل عقلك ومشاعرك والإعلان عنها والإنباء بها لأي إنسان مهما كان كرم وشرف عقله واخلاقه , وتزداد المصيبة إذا كان هذا الإنسان من المعتصمين بالعقل, ومن ذوي شرف العقل والأخلاق, ممن تتعلم منه كل يوم جديد , وترتقي بعقلك , ووجدانك , وتسمو بروحك لترتقي لمرتبة الإنسان , ويجعلك تنظر للقيم والأشياء بنظرة إنسانية عادلة متزنة , ويجعلك تغير نظرتك في منظومة المحرمات والمباحات واللامساسات والتابوهات والمقدسات , فهو لن تجد مثيله في الوصف أو الشبه , ولايمكن ان يعادله في العقل وشرفه , وفي الأخلاق وسموها , وفي الأدب ورقيه , وفي البلاغة والشعر والكتابة وهو سيدهم وملك الحروف والكلمات وسيد المعاني , فحينما يكون لك شرف التعامل مع من هومثله , يتم اتهامك , وكأنك ترتكب جريمة أو تقترف معصية أو تمارس كبيرة من كبائر الدين , ومن ثم , تجد راية الحرب المرفوعة , ونفيرها يزعق ليصم الآذان , وهذا كله لأنك مختلف , نعم مختلف , والإختلاف لديهم جريمة , والإنتماء للقطيع كأنه قمة الفضيلة ..
صدقني ياصديقي :
أنا مخنوق .. محزون وموجوع , وكأن الحياة صارت موت , وكأن الدنيا أظلمت في عيني , وكأنني أصبت بالعمي فلا أري شيء , ولا أري نفسي , فأنا أتمزع أشلاء متناثرة , ولم ولن أجد من يلملم أشلاء عقلي وروحي الممزقة , بلا سبب إلا الجهل والعمي المحتمي بالأنا العمياء التي إرتقت إلي أعلي مراتب الحقارة والتدني العقلي والأخلاقي , وهذا ماكان يحدث طوال فترة زادت عن عقود من الزمن المر ير , الذي لم أجد فيه راحة نفسي وطمأنينة روحي وهدوء عقلي ..
وفي النهاية :
لماذا هذا كله , ولماذا الإصرار علي العبودية بمزاعم الحفاظ علي موروثات تريدك عبداً خادماً طيعاً , محروماً من أجل أن يصيروا هم أسياداً وسادة مترفين منعمين , وتضمن لهم مستقبلهم , وأنت لايهم أن يكون لك حاضر ..
وبحق :
قلت له , بحميمية شديدة وصدق :
العزلة ليست حلاً ..
واستمرار المخالطة ليست حلاً ..
و إن كان فليكن بشروطك أنت , لا بشروطهم , وكن إنساناً , وتحمل مسؤلياتك تجاه عقلك ونفسك وروحك , وتجاه المجتمع ..
وكررت علي ذلك بهدوء : كن إنساناً ولاتكن غيره !! , نظر إلي نظرة حيرة وقلق , وأسقط وجهه بين راحتي يديه , وأخذ يبكي ويهمهم , وصار صوت بكاؤه كأنه صراخ مكتوم , ثم أخذ ينظر في اللاشيء وتحدث بصوت خفيض مشبع بنبرات اليأس : كل المساعي صارت مشلولة , ليس هنا إرادة , ولا هناك ضمير , والصبر تحول إلي سجن كبير !!
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |