في العراق لا يحترمون الموتى وهم في قبورهم

محمد رضا عباس
2026 / 5 / 5

انا اتحدث عن مقبرة النجف الاشرف , او مقبرة السلام , والتي تعد الأكبر والاقدم في العالم الاسلامي . الاحصائيات تقول ان عدد الموتى المدفونين فيها بين خمسة وسبعة ملايين , وبكل تأكيد ان هذا الرقم غير صحيح , لان هناك روايات معتبرة تقول ان بدء دفن الموتى في هذه المقبرة كان منذ زمن حكم الخليفة الراشدي علي بن ابي طالب , عندما اتخذ الكوفة عاصمة الخلافة الراشدية . الظروف الجوية القاسية في العراق لا تبقى معلم او قبر لفترة طويلة , فيمحى الأثر بمرور الزمن و تستخدم نفس الارض لدفن رفاة شخص اخر وهي عادة شائعة في مقبرة النجف حيث يعاد تدوير القبر عدد من المرات . يضاف الى ذلك ان سجلات الموتى والموجود في مكتب استعلامات الدفن لا تشمل أسماء جميع المدفونين في المقبرة وذلك بسبب ان كثير من ذوي المتوفي لهم متعهد خاص يتولى دفن موتى الاسرة . وعندما سئل المؤرخ حسن عيس الحكيم بان مقبرة وادي السلام تحتوي على رفات 6 ملايين كان جوابه " اكثر بكثير , اعداد هائلة و كبيرة " , مذكرا ان المقبرة تستقبل الموتى منذ 1400 عام.
ليس كل المتوفين من اهل العراق وانما من كل بقاع العالم الإسلامي والمتوفين من المسلمين في البلدان غير الإسلامية . وان هذه المقبرة تحوي قبور لأنبياء كما تذكر كتب التاريخ والمعتقد ( هود وصالح) , عدد من صحابة رسول الله ومنهم زيد بن ارقم , علماء دين كبار, شيوخ عشائر , وملوك وسلاطين وامراء الدولة الحمدانية والفاطمية و البويحيه والسفاوية والقاجارية والجلابريه .
اذا المقبرة , وادي السلام , ليست مقبرة عادية , وانما هي تاريخ أمم وشعوب , وتستحق ان تكون معلما عالميا , نظرا لما تحويه من أسماء كان لها وزنا عالميا و محليا . ولكن من يدخل المقبرة هل يجد عليها ذاك الوقار الذي يليق بمن ينام في تربتها ؟ الجواب هو كلا . واذا كانت الحكومات المتعاقبة ليس لها شغل بالمقابر ولا بالتاريخ والجغرافية , فان سمعة هذه المقبرة العالمية تفرض على قادة النجف الحاليين التحرك لجعل هذه المقبرة تليق بالنائمين فيها .
تدخل المقبرة و تتفاجأ بضيق شوارعها وكثرة الحفر وفوضى المقابر الى درجة يضطر الزائر الذي يريد الوصول الى قبر متوفي ان يمشي على قبور اخرين, وهي من المحرمات شرعا . عدا ان بعض القبور مبعثرة ومنها منهارة على صاحبها , وأخرى تطوقها النفايات . القبور غير نظامية ومتلاصقة , ومنها في الأرض وأخرى في سرداب , ومنها عليها بناء نحو قدم واحد , واخرى على شكل مسجد . لا توجد خرائط لوصول الاسر الى قبور امواتهم وانما يعتمد على الذاكرة او علامات معينة , كان يقول قرب العمود الذي يحمل صورة فلان , او قريب من قبر شخصية معروفة .
وهل بقى ذكر لعشرات الالاف صحابة رسول الله و ملوك وسلاطين وحكام ورجال علم وشيوخ عشائر وادباء وفنانين ؟ لا اثر لهم , عدى المتوفي منهم حديثا . قبور بسيطة ومن النادر ان تجد احدها بدون نفايات , وخاصة قناني المياه وبقايا بناء القبر من احجار مبعثرة . لا توجد إدارة مركزية لإدارة هذه المقبرة التاريخية والعالمية , واذا كانت هناك واحدة فأنها لا تقوم بواجبها المناط بها .
طبعا , اصبح الدفن في هذه المقبرة ليس مجانا كما كان سابقا حيث كانت كلفة الدفن لا تتجاوز 400 دولار , وهي كلفة الأرض والحفر . اما الان فان كلفة القبر الواحد في المقبرة النموذجية تساوي الفين دولار , وخارجها من 600 الى 1000 دولار. وحتى المقابر أصابها ما أصاب أراضي المدن من ارتفاع الأسعار للمتر الواحد , فأصبحت سعر المقبرة الاسرية الواحدة كافية لعشرة قبور من خمسة ملايين الى سبعة الملايين دينار ( 4100 الى 5000 دولار).
يقول الصحافي محمد العاني إن "هناك أحزابا ومافيات دخلت على خط الاستثمار في المقابر، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الدفن وأسعار الأراضي المخصصة للمقابر، حتى وصل سعر بعض الأراضي التي تستوعب 15 قبراً إلى سبعة ملايين دينار ، ومن جراء ذلك باتت كثير من العوائل تشتري هذه القطع لتجنيب نفسها التعرض إلى مشاكل مالية في المستقبل".
ويكمل العاني في اتصالٍ مع "العربي الجديد"، أن "المتاجرة بالقبور باتت رائجة خلال السنوات الماضية، خصوصاً مع تصاعد حالات العنف الدموي وتفشي الأمراض، وباتت للقبور أسعار متفاوتة حتى داخل المقبرة الواحدة، فمثلاً، ترتفع أسعار القبور التي تقترب من الشوارع العامة المحيطة بالمقابر عن أسعار القبور التي يكون موقعها بعيداً عن الشارع العام، والمتحكم بهذه القضية هم الأشخاص أو الجهات المسيطرة على المقابر، وبعضهم عوائل تعيش داخل المقابر، وأخرى تتعامل مع أحزاب ومليشيات، وهذا أمر معروف في مناطق متفرقة من البلاد".
اذن , ان الموتى يستحقون الاحترام , حيث من المعلوم عند المسلمين ان حرمة الميت هي كحرمة الحي , واذا اصبحوا لا يتكلمون ولا يتظاهرون او ينددون بأحوال قبورهم , فمن واجب الدولة ان تكون المتحدث عنهم و المسؤولة عن رعاية قبورهم , لان هؤلاء وهم احياء قدموا ما استطاعوا الى الوطن والعالم. واذا استمر الدفن في النجف الاشرف مجرد دفن وقبض كلفة الدفن في الحال , وترك المقبرة الى عاديات الزمان وعبث الانسان والحيوان , فان ادارة النجف ستكون هدف المنتقدين الداخل والخارج. انه من العيب ان يدخل الزائر العراقي او الأجنبي الى هذا المكان صاحب العنوان الكبير " مقبرة السلام ", ولا يجد سلام فيه . المقبرة في طريقها لان تكون واحدة من معالم التراث العالمي ومن الاحسن لإدارة محافظة النجف التحرك لتحقيق هذا المنجز , وبعكسه ستخسر النجف مكانة رفيعة في سجل معالم التراث العالمي.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر