أنطولوجيا المادة وجدلية الفناء: قراءة نقدية تفكيكية في التجربة النحتية للفنان د. غازي محمد رمضان

غالب المسعودي
2026 / 5 / 4

تتشابك في تجربة الدكتور غازي محمد رمضان خيوط معرفية وجمالية بالغة التعقيد، حيث تتداخل صرامة المشرط المخبري مع سيولة الوجدان البوهيمي، لتنتج تجربة فنية وأنطولوجية لا يمكن تأطيرها ضمن سياق أكاديمي واحد. افترض أني اسعى من خلال مزاملتي للفنان كوني أيضا تدريسي في نفس الكلية الطبية التي هو عضو بملاكها لسبر أغوار هذه التجربة التي تزاوج بين "بيولوجيا الدم" كمادة حيوية ومميتة، وبين "فن النحت" كفعل تخليق وجودي يصارع العدم. تنطلق هذه التجربة من مرجعيات تاريخية ضاربة في القدم، وتحديداً من حضارة أوغاريت السورية، وتمر عبر دهاليز الفلسفة الوجودية السوداوية لإميل سيوران، لتستقر في نهاية المطاف في العراق، حيث يمارس رمضان دوره كأستاذ جامعي في "كلية الأمل للعلوم الطبية التخصصية"، مدمجاً بين "المجهر" و"الإزميل" في وحدة عضوية لا تنفصم.

التكوين الأكاديمي والوعي الطبي: الجسد كبنية شكلية
تبدأ الملامح التكوينية للدكتور غازي محمد رمضان من كليات الطب في دمشق عام 1988، وهي مرحلة لم تكن مجرد تحصيل علمي، بل كانت تدريباً بصرياً مكثفاً على فهم "التشريح" كبنية جمالية وقوانين فيزيائية. إن دراسة الطب، وخاصة في المدارس التي تولي أهمية كبرى للمنهج السريري والتشريحي، تزرع في وعي الفنان فهماً عميقاً للكتلة ليس من الخارج فحسب، بل من منطق القوى الداخلية التي تشكلها. هذا الفهم المورفولوجي هو ما نراه لاحقاً في منحوتاته التي لا تكتفي بمحاكاة السطح، بل تبدو وكأنها تنمو من الداخل إلى الخارج بفعل ضغط الأنسجة والأوعية.

دمج العلم بالجمال في الفضاء الأكاديمي والبحثي
إن عمله في مجال الخصوبة وبيولوجيا الأجنة أضاف بعداً "توليدياً" لتجربته النحتية؛ فالنحت لديه ليس "حفراً" بل هو "إخراج للحي من الميت". عندما ينظر رمضان إلى الكتلة الحجرية الصماء، فإنه يراها كبويضة مخصبة تنتظر الانقسام والنمو لتشكل "وجهاً" أو "جسداً". هذا التقاطع بين البيولوجيا والفن يفسر لماذا تبدو منحوتاته في حالة "صيرورة" دائمة، حيث لا يصل العمل الفني أبداً إلى سكون الموت، بل يظل محتفظاً بحرارة النشوء.

المرجعية الأوغاريتية: استعادة الأبجدية الأولى في الكتلة النحتية
لا يمكن قراءة تجربة غازي محمد رمضان بمعزل عن الانتماء الجغرافي والروحي للساحل السوري، وتحديداً لحضارة أوغاريت (رأس شمرة). إن أوغاريت ليست مجرد موقع أثري بالنسبة لرمضان، بل هي "المختبر الأول" الذي حاول فيه الإنسان تحويل الفكر إلى علامة مادية من خلال الأبجدية المسمارية المكونة من 30 حرفاً. هذا الانتقال من "الهلامي" إلى "المشكل" هو جوهر العملية النحتية عند رمضان.
تأثر رمضان بالرموز الأوغاريتية، مثل الإله "بعل" الذي يمثل الطاقة الحيوية، والعواصف، والخصوبة. في منحوتاته، نجد صدى لتلك القوة الخام التي كانت تتميز بها المسلات الأوغاريتية، مثل مسلة "بعل مع الصاعقة". إن الصلابة والديمومة التي تميز الفنون السورية القديمة تنتقل إلى أعمال رمضان، ليس كمحاكاة شكلية، بل كروح تسكن المادة.

التجربة البوهيمية في فرنسا: من صرامة المختبر إلى فوضى الإبداع
مثلت فرنسا بالنسبة لرمضان "مرحلة الصدمة" الثقافية والجمالية.
هذه "البوهيمية" ليست فوضى، بل هي "تمرد منظم" على سكون المادة. إن تأثره بالبحر (الذي يذكره بساحل اللاذقية وأوغاريت) وحصى الرمال التي يصقلها الموج، جعل منحوتاته تتخذ أشكالاً "انسيابية" رغم صلابتها. البحر في وعي رمضان هو "الرحم الأول" و"المقبرة الأخيرة"، وهو ما يربطه مباشرة بجدلية الدم؛ فالبحر سائل مالح يحيط بالقارات، والدم سائل مالح يحيط بالخلايا. كلاهما ضروري للحياة، وكلاهما قادر على الإغراق والإماتة.
في فرنسا، تشبع رمضان بروح الحداثة التي لا تنفصل عن التراث. إن دراسته لأبحاث، مثل تأثير الليزر على "المينا" و"العاج"، منحته فهماً تقنياً لكيفية تعامل الضوء مع السطوح الصلبة، وهو ما طبقه ببراعة في منحوتاته التي تلعب على وتر "الظل والضوء" لخلق دراما بصرية تعكس الصراعات النفسية.

سيوران وفلسفة العبث: المصير السوداوي تحت المجهر
يبرز اسم الفيلسوف إميل سيوران كمرجعية أساسية في تشكيل الوعي الأنطولوجي لغازي محمد رمضان. سيوران، الذي كتب عن "كارثة الولادة" و"تاريخ العبث"، يرى أن الوجود البشري هو مجرد "حادث بيولوجي" محكوم بالفناء. هذا التصور السوداوي يجد صدىً عميقاً في عمل رمضان كطبيب يتعامل يومياً مع الأمراض المستعصية وتحلل الأنسجة.
بالنسبة لسيوران، "الحياة هي ما يتبدد"، والدم هو السائل الذي يحمل هذا التبدد. رمضان يترجم هذا فلسفياً من خلال منحوتاته التي تظهر أحياناً كأجساد "متآكلة" أو وجوه "محفورة بالألم". إن "جدلية الدم" عنده تنطلق من فكرة سيوران بأننا "مجلس النواب من الطفيليات"؛ حيث تسكننا قوى بيولوجية لا نسيطر عليها، تدفعنا نحو الموت بينما نتخيل أننا نعيش.
النحت عند رمضان هو فعل "مقاومة عبثية"؛ فهو يحاول "تجميد" المادة الحية في لحظة جمالية، مدركاً في الوقت نفسه أن الحجر نفسه عرضة للتآكل والزمن. هذا هو "المصير السوداوي" الذي يتحدث عنه سيوران؛ أن تحاول خلق "المطلق" من مواد "فانية".
في منحوتته "الوجه الوريدي" يستثمر رمضان العروق الطبيعية في الحجر لتبدو وكأنها شبكة "أوعية دموية" نابضة. هنا، لا يعود الدم سائلاً، بل يصبح "أثراً" باقياً في الصخر. الدم عند رمضان هو "رمز الصراع"؛ صراع الخلية للبقاء وصراع الروح للتحرر من عبودية البيولوجيا.
يرتبط الدم أيضاً بالمفهوم الأوغاريتي للتضحية والطقوس؛ حيث كان الدم يراق لاسترضاء الآلهة وضمان الخصوبة. رمضان يعيد صياغة هذه الطقوس في "المذبح الأكاديمي"؛ فالبحث العلمي هو نوع من التضحية بالوقت والجهد للوصول إلى الحقيقة، والنحت هو إراقة لـ "عرق الفنان" لبعث الروح في المادة.

تشريح الألم
يظهر في هذا العمل رأس إنساني منحوت من حجر طبيعي غني بالتعرجات اللونية. لقد تعامل النحات مع الحجر ليس كعدو يجب تطويعه، بل كشريك؛ حيث ترك العروق الحمراء والبنية تمر عبر "جبهة" و"خد" التمثال وكأنها "أوردة" حقيقية تعاني من احتقان دموي. العينان المحفورتان بعمق توحيان بنظرة "مجهرية" نحو الداخل، مما يعكس تجربة الطبيب الذي يرى في المريض "كياناً متألماً" وليس مجرد حالة طبية. الملمس الخشن والنتوءات تذكرنا بتضاريس "حصى الرمال" التي صقلها البحر، ولكنها احتفظت بجروحها.

منحوتة "الانبثاق من الصخر": جنينية التكوين
هذا العمل هو تجسيد لـ "فلسفة الصيرورة". الوجه لا ينفصل تماماً عن الكتلة الصخرية الداكنة، بل يبدو في حالة "ولادة" أو "تثاؤب" سيوراني (نسبة لسيوران). الدقة في نحت الملامح المركزية (الأنف، الشفاه) تتناقض مع "وحشية" الأطراف غير المنحوتة، مما يطرح تساؤلاً أنطولوجياً: هل نحن بشر مكتملون، أم أننا لا نزال جزءاً من "طين الأرض"؟ هذا العمل يعكس خبرته في بيولوجيا الأجنة، حيث يبدأ الشكل من اللا-شكل.

منحوتة "التكوين العضوي: مسامية الوجود
يبدو هذا العمل وكأنه "عظمة" نخرها الزمن أو "نسيج خلوي" تمت تكبيره آلاف المرات تحت المجهر. الفراغات والمسام ليست عيوباً، بل هي "رئات" يتنفس منها الحجر. هذا يذكرنا بدراساته حول "العاج" و"المينا"، وكيف يمكن للمادة الصلبة أن تحمل داخلها فراغات حيوية. الخطوط الانسيابية تشبه حركة الموج الذي يصقل "الحصى"، محولة القسوة الصخرية إلى ليونة بصرية.

البحر والحصى: ذاكرة المادة وإيقاع الزمن
يعتبر البحر في تجربة رمضان "المعلم الأول". ففي مدينته الساحلية، تعلم كيف يحول الموج الصخور القاسية إلى "حصى" ناعمة. هذه العملية الطبيعية هي "نحت إلهي" يمثل صراع الزمن مع المادة. في منحوتاته، يحاول رمضان محاكاة هذا "الصقل الوجودي"؛ فهو يترك أجزاءً خشنة لتمثل "الماضي الصخري"، ويصقل أجزاءً أخرى لتمثل "الحاضر الإنساني".
الرمل والحصى يمثلان "الذرات الأولية" للوجود. في فلسفة سيوران، نحن "حفنة من الغبار" تتخيل أنها تفكر. رمضان يجسد هذه الفكرة من خلال دمج الرمل أحياناً في قوام أعماله، أو نحت كتل توحي بأنها في طور التفتت والعودة إلى حالتها الأولية. البحر عنده ليس مجرد ماء، بل هو "سائل أنطولوجي" يربط بين دمشق وباريس وكربلاء؛ إنه رمز للسيولة التي ترفض الجمود وتدعو إلى التجدد المستمر.

نحو رؤية كونية للجسد والمادة
إن تجربة الدكتور غازي محمد رمضان هي نموذج للمثقف الموسوعي الذي يرفض التخصص الضيق. لقد استطاع أن يحول "المختبر الطبي" إلى "مرسم فني"، و"المجهر" إلى "إزميل". إن دمج خلفيته الطبية مع فلسفة العبث السيورانية، واستعادة الروح الأوغاريتية، أنتج لغة بصرية فريدة تتحدث عن "وجع المادة" و"أمل النشوء".
منحوتاته هي "تشريح للروح" قبل أن تكون تشريحاً للجسد. هي دعوة للتأمل في "جدلية الدم"؛ ذلك السائل الذي يمنحنا الحياة، ولكنه يحمل في طياته شفرة الموت. إن رمضان يثبت أن الطبيب الحقيقي هو فنان يعالج "توازن الكتلة" في جسد المريض، وأن الفنان الحقيقي هو طبيب يعالج "قلق المادة" في حجر النحات.
إن القيمة النقدية لأعمال غازي رمضان تكمن في صدمتها المعرفية؛ فهي لا تقدم جمالاً "ناعماً" بل جمالاً "مشرحاً"، يواجه المتلقي بحقيقة "مصيره السوداوي" كما يراه سيوران، ولكن بلمسة "بعلية" (نسبة لبعل) تعد بالخصوبة والولادة من جديد. إنه النحات الذي يكتب بالدم، والطبيب الذي يداوي بالإزميل، في وحدة وجودية تجعل من تجربته أيقونة في الفكر المعاصر.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر