|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ليث الجادر
2026 / 5 / 4
يُعد الفرق بين أداء القوات العسكرية في الحرب وإدارتها الاستراتيجية مفتاح فهم الهزائم التاريخية. الأداء الميداني يقتصر على القتال التكتيكي المباشر – اشتباكات، مناورات، وفعالية الأسلحة – بينما الإدارة تشمل التخطيط الشامل، تعبئة الموارد، والتأثيرات السياسية طويلة الأمد.
هذا التمييز يفسر حالات مثل حرب فيتنام، حيث أبدت القوات الأمريكية تفوقًا تكنولوجيًا هائلًا لكن واشنطن فشلت في فهم طبيعة الحرب غير النظامية، مما أدى إلى سحب مهزوم. كذلك، الغزو الأمريكي لأفغانستان حقق انتصارات سريعة في 2001 بفضل التفوق الجوي، إلا أن سوء بناء الحكومة المحلية أعاد طالبان إلى السلطة بعد عقود. في حرب أوكرانيا، تقدمت القوات الروسية عدديًا وتسليحيًا لكن الإدارة المركزية أدت إلى إخفاقات لوجستية مدمرة. أما الحروب العربية-الإسرائيلية، فقد أظهرت وحدات عربية شجاعة ميدانية لكن عدم التنسيق السياسي بين الدول أحبط الجهود كلها.
الحرب الأمريكية-الإيرانية 2026: نموذج ترامب للفشل المتعمد
بدأت الحرب في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية-إسرائيلية على منشآت صاروخية وعسكرية إيرانية، ردًا على توترات نووية ودعم طهران لجماعات إقليمية. أظهرت القوات الأمريكية تفوقًا جويًا وبحريًا مذهلاً، مع خسائر بشرية محدودة (13 قتيلًا حتى مارس)، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب تفشل تمامًا – وهو فشل يتقصده بدقة استراتيجية.
ترامب لا يسعى لنصر عسكري حاسم؛ إنما يتبع خطة احتواء مدروسة تهدف إلى نزع إيران من خندق الصين وروسيا وضمها تدريجيًا إلى الجانب الأمريكي. تراجعه عن "الضربة القاضية" بعد حشد 150 طائرة حربية وغواصات نووية لم يكن ضعفًا، بل حسابًا باردًا: رمى اللوم على مستشاريه مثل ستيف ويتكوف، وطلب مساعدة دولية فشل في جذبها، معتمدًا ضربات محدودة تضعف القدرات الإيرانية دون تدميرها الكامل.
أبرز دليل على تقصده هذا الاستباحتة الصريحة لمبادئ الحرب الأساسية، خاصة مبدأ تعزيز زخم الهجوم الذي يُعد حجر الزاوية في العمليات العسكرية الناجحة. منح ترامب إيران مهلًا متكررة غير مبررة على الإطلاق أثناء الحرب – مثل "هدنة 14 يومًا" وتأجيلات الضربات الجوية المتتالية – مما سمح لطهران بإعادة تنظيم صفوفها، تعزيز دفاعاتها، واستئناف إطلاق الصواريخ. هذا التجاهل المتعمد للزخم الهجومي، الذي يتطلب ضغطًا متواصلًا لكسر إرادة العدو، يكشف بوضوح أن ترامب لا يريد حسمًا عسكريًا، بل يحول التصعيد إلى ضغط تفاوضي يجبر طهران على إعادة تقييم تحالفاتها الشرقية مقابل وعود اقتصادية أو رفع عقوبات.
الخسائر الاقتصادية: ثمن الاستراتيجية الجريئة
تكبدت أمريكا مليار دولار يوميًا في التكاليف العسكرية المباشرة، ليصل الإنفاق إلى 12 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين. تضمنت الخسائر تدمير رادارات بـ3.4 مليار دولار وطائرات F-15 بـ300 مليون دولار، بالإضافة إلى تكاليف تشغيل حاملات الطائرات (18 مليون دولار يوميًا). أما الخسائر غير المباشرة، فجاءت من ارتفاع أسعار النفط بسبب تهديد مضيق هرمز، مما أحدث تأثيرات تجارية إجمالية تتراوح بين 50-210 مليار دولار على الطاقة والشحن العالمي.
هذه الأرقام تثير غضب الكونغرس وتفاقم الضغوط الداخلية، لكنها في حساب ترامب استثمار جيوسياسي: إضعاف محور الصين-روسيا بتحويل إيران إلى شريك محتمل، حتى لو كلف ذلك أزمة اقتصادية مؤقتة.
الخاتمة: مقامرة ترامب الاستراتيجية
ترامب يتقصد "الفشل" في إدارة الحرب التقليدية من خلال استباحته مبادئها الأساسية مثل تعزيز زخم الهجوم، لأن هدفه ليس النصر العسكري، بل إعادة رسم التحالفات الإقليمية. إذا نجح في احتواء إيران، سيكون قد حقق نقلة تاريخية تفوق أي انتصار ميداني؛ وإلا، قد يواجه مصيرًا مشابهًا لسابقيه في فيتنام وأفغانستان. الوقت وحده سيحكم على هذه المقامرة الجريئة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |