بعد إيران.. هل يهرب ترامب إلى الأمام ويهاجم كوبا؟

جهاد حمدان
2026 / 5 / 3

تُطرح بين الحين والآخر تصريحات تصعيدية من الإدارة الأمريكية تجاه كوبا، تلوح أحياناً بورقة التدخل أو الاستيلاء، استناداً إلى الفارق الهائل في موازين القوى. وفي حين أن كوبا تفتقر بالفعل إلى الأذرع الإقليمية والترسانة الصاروخية التي تمتلكها دول مثل إيران، مما يجعلها تبدو مكشوفة أمام القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، إلا أن قراءة المشهد تتطلب تفكيكاً دقيقاً لعوامل الضعف والقوة لدى هافانا، والدوافع والموانع لدى صانع القرار في واشنطن، وصولاً إلى حسابات القوى الكبرى.
أولاً: عوامل الضعف عند كوبا (لماذا تبدو مكشوفة؟)
الإنهاك الاقتصادي العميق: تعاني كوبا من أزمات اقتصادية متلاحقة نتيجة عقود من الحظر الأمريكي، ونقص حاد في الوقود والمواد الأساسية، وتضخم مرتفع. هذا التردي الاقتصادي يخلق بيئة داخلية هشة قد تراهن واشنطن على استغلالها.
الفجوة العسكرية الهائلة: على عكس دول الشرق الأوسط كإيران التي طورت ترسانة دفاعية وصاروخية، تعتمد القوات المسلحة الكوبية على معدات عسكرية قديمة تعود في أغلبها للحقبة السوفيتية، ولا تملك أي قدرة على مواجهة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية في حرب تقليدية.
القرب الجغرافي من الولايات المتحدة: تقع كوبا على بعد 90 ميلاً فقط من سواحل فلوريدا، مما يمنح الولايات المتحدة تفوقاً لوجستياً مطلقاً في حال حدوث أي تدخل، ويحرم كوبا من أي عمق استراتيجي خارجي.
ثانياً: عوامل الصمود الكوبية (ما الذي يمنع الانهيار السريع؟)
عقيدة "حرب الشعب بأكمله": تدرك القيادة الكوبية عجزها في الحرب الكلاسيكية، لذا تعتمد عقيدتها العسكرية على "الحرب غير المتكافئة". أي محاولة للسيطرة على الأرض ستواجه بتحويل الجزيرة إلى ساحة لحرب عصابات مدن وأحراش، معتمدة على تسليح وتدريب قطاعات واسعة من المدنيين.
التعبئة الأيديولوجية والقومية: يمتلك النظام الكوبي خبرة تمتد لأكثر من ستة عقود في تعبئة الشارع تحت شعارات معاداة الإمبريالية والدفاع عن السيادة الوطنية. التهديد الخارجي غالباً ما يؤدي إلى توحيد الصفوف وتأجيل الخلافات الداخلية.
الشرعية الدبلوماسية والتضامن الدولي: تحظى كوبا بتعاطف واسع في دول الجنوب العالمي وأمريكا اللاتينية، وأي تدخل عسكري مباشر سيواجه بعزلة دبلوماسية أمريكية وإدانات دولية واسعة.
ثالثاً: العوامل التي تشجع ترامب على التصعيد
استرضاء القاعدة الانتخابية: يعتبر التصعيد ضد النظام الكوبي ورقة رابحة جداً لكسب أصوات الجالية الكوبية والأمريكية اللاتينية المحافظة في ولاية فلوريدا المتأرجحة والمهمة انتخابياً.
عقيدة مونرو المتجددة: يميل الجناح المحافظ في واشنطن إلى تطبيق صارم لـ "عقيدة مونرو"، التي تعتبر أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي الفناء الخلفي للولايات المتحدة، وبالتالي ضرورة إنهاء أي نفوذ يساري أو مدعوم من خصوم أمريكا في هذا المحيط.
الرهان على الانهيار الداخلي: قد يرى ترامب وإدارته أن الأزمات الاقتصادية الخانقة هي مؤشر على أن النظام يترنح، وأن "دفعة قوية" قد تكون كافية لإسقاطه دون الحاجة لحرب طويلة.
رابعاً: العوامل التي تكبح جماح ترامب (مخاطر المغامرة)
كابوس المستنقع العسكري: تدرك القيادة العسكرية الأمريكية جيداً تكلفة حروب العصابات طويلة الأمد، ولا ترغب في تكرار سيناريوهات التورط في مستنقعات عسكرية، خصوصاً في حديقتها الخلفية.
فأي صراع عسكري أو انهيار مفاجئ للدولة سيؤدي فوراً إلى موجات هجرة واسعة عبر القوارب باتجاه السواحل الأمريكية، مما سيخلق أزمة أمنية واقتصادية وإنسانية للولايات المتحدة نفسها.
كما أنّ تجربة ترامب في إيران وتداعياتها الدولية قد لا تشجع القاعدة الشعبية لترامب إلى دعم التورط في حروب خارجية جديدة أو مشاريع "بناء أمم" مكلفة، وتفضل التركيز على الاقتصاد الداخلي.
خامساً: تفكيك الموقفين الروسي والصيني
لم يعد العالم يعيش أجواء أزمة الصواريخ الكوبية أو غزو "خليج الخنازير". فحسابات بكين وموسكو اليوم معقدة ومبنية على المصالح لا الأيديولوجيا. فموسكو المنخرطة في صراع وجودي في أوكرانيا لا تملك القدرة ولا الموارد لفتح جبهة عسكرية في الكاريبي. بالنسبة لبوتين، كوبا لا تتعدى كونها ورقة ضغط ومنصة لـ "المشاغبة" في الفناء الأمريكي (إرسال غواصات نووية إلى هافانا مؤخراً كرسالة استعراضية). إذا هاجمت واشنطن كوبا، فلن تطلق روسيا صواريخها، بل ستكتفي بتقديم دعم استخباراتي وسيبراني سري، والأهم أنها ستستغل الانشغال الأمريكي لتصعيد هجومها وحسم ملفات أخرى في أوروبا الشرقية.
االصين شريان الحياة الاقتصادي لكوبا وأكبر دائنيها، وقد أسست هناك محطات تنصت متطورة لمراقبة الاتصالات الأمريكية. ومع ذلك، لن ترسل بكين أسطولها لحماية كوبا. لكنها قد تستثمر أي هجوم أمريكي دبلوماسياً لإظهار واشنطن كقوة إمبريالية معتدية، وقد تستغل "انحراف أنظار" أمريكا نحو الكاريبي لتسريع خططها تجاه تايوان أو تعزيز سيطرتها على بحر الصين الجنوبي.
وفي ضوء ما سبق، قد يبقى التهديد الأمريكي في المنظور محصوراً في إطار الخنق الاقتصادي والحرب النفسية لتحفيز انهيار داخلي، أكثر من كونه استعداداً لاجتياح عسكري مباشر.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر