|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 3
تحتل الأسئلة الوجودية والفلسفية والدينية لدى الإنسان مركزًا مهمًا منذ بدء الخليقة، فالإنسان بطبعه يحب التعرف على المسائل المجهولة والغامضة، كما يحب استكشافها والتبحر فيها؛ لعله يطفأ ضمىء البحث في هذه المسائل، متأملًا بذلك أن يكتشف أسرار الكون ويعلم أموره المختلفة.
ولهذا الأمر، قام الإنسان بابتكار الآراء والمدارس والأفكار الدينية والفكرية المختلفة؛ بحيث يشدو أن يجيب عن الأسئلة الكبرى التي أرقت باله منذ قديم الزمان، ومن بين هذه المدارس هي المدرسة الهرمسية، والتي حاولت أن تعطي إجابات عن الأسئلة المعقدة والمركبة التي تشغل بال الإنسان منذ القدم.
وقبل البداية بالحديث عن الهرمسية، يجب أن نتحدث قليلًا عن هرمس، وهو الذي على اسمه سُميَت مدرسته بهذا الاسم.
فهرمس، لو بحثنا بالانترنت، لوجدنا أنه شخصية فلسفية تاريخية قديمة تكتنفها الغموض أكثر مما يجتليها الوضوح، إذ يتنازع على تعريفها وتحديد هويتها الأكاديميون كثيرًا؛ وذلك لعدم وضوح ماهيته ولعدم وجود الكثير من المعلومات عنه في الكتب القديمة، مما خلق جوًا من عدم اليقين الذي يدور حول شخصيته
يقول البعض، أن هرمس شخصية مصرية، وأن كلمة (الأهرامات) مشتقة من اسمه؛ إذ تشترك معه في كلمة (هرم)، والحق أن هذا الأمر مغلوط، ذلك أن كلمة (الأهرامات) من جذر (هرم)؛ وهي كلمة عربية، أما كلمة (هرمس) فهي على الأقل ليست بعربية، ولذلك، تُعتَبر الكلمتان مختلفتان وغير متوافقتان من ناحية الجذر اللغوي واللغة اللاتي تنتميان إليها.
أما الادعاء بأنه مصري قديم، فهي لإنه بمصر القديمة كان هنالك من يسمى بـ(تحوت) وهو إله الكتابة في مصر، وقد ربطوا تحوت هذا بهرمس؛ لإن هرمس حسب التاريخ هو أول من خط بالكتابة، ولكن هذا الادعاء لا يصح بنظري؛ إذ كل حضارة تدعي أنه يوجد من خَطَّ بالقلم وعلم البشر المعارف والعلوم المختلفة، فالفرس تدعي أنه أجهبند، والصابئة المندائيون يدعون أنه دنانوخت، والروم يدعون أنه ميركوري، واليهود تدعي أنه أخنوخ، والمسلمون يدعون أنه إدريس، فلكل حضارة رجلها الذي يدعون أنه خط الكتابة لأول مرة، فلما يكون هرمس هو تحوت ولا يكون مثلًا دنانوخت؟
ومع أني أذهب وبرأيي الخاص إلى أن هرمس، يعد (أركتايب/ نمط شخصية) تاريخي، وليس عبارة عن شخص؛ إذ أنه كما كان يوجد بكل حضارة الحاكم الذي يأمر، ويوجد الحداد الذي يصنع السيوف، ويوجد المعلم الذي يعلم، فكذلك كان هنالك الشخص الذي يخط بالكتابة والذي يعطي العلوم والمعارف لأتباعه، وهذا الشخص اصطلح عليه اليونانيون (هرمس)، وحاول الكثير اكتشافه وربطه مع شخصيات تاريخية مختلفة، ولكنه هو ليس بشخصية محددة بقدر ما هو نمط شخصية تنطبق على الكثير من الأشخاص في الحضارات المختلفة.
وأني لأرجح أن لفظة (هرمس) هي لفظة يونانية أو مصرية قديمة؛ لإن اليونانيون هم من كانوا ينهون الأسماء بحرفي (يس) كما في "هرميس"، وأيضًا يفعل المصريون القدماء ذلك، وأرجح أن اليونانيون والإغريق قد أخذوا هذه الشخصية عن غيرهم ثم صاغوها بلغتهم.
يعني، ما أقصده ها هنا هو أن الأسطورة تتنقل من بلد لآخر، فكل بلد يكسي هذه الأسطورة رداءه الخاص ويجعلها تخضع لثقافته المتميزة عن غيرها من الثقافات، فتلبس الأسطورة رداء هذه الثقافة ويتسمى أشخاصها بأسماء ثقافية تخص هذه الثقافة وتصبح أفعالهم موافقة لهذه الثقافة وغير ذلك من الأمور.
والهرمسية بدورها هي مجموع أفكار تعد مختلطة من ناحية الفلسفة والـoccult والأسطورة والخيمياء..الخ، فإذا أتينا لتعريف الهرمسية لن نستطع أن نضعها تحت فرع واحد من الدراسات، ذلك أن مواضيعها تتفرع وهي من المواضيع البينية؛ ولذلك، من الأفضل الاكتفاء بوصفها بكلمة "تيار فكري"؛ كدلالة على أنها تجمع بين مختلف المواضيع.
أما السبب في كونها تجمع مختلف المواضيع، فهي أنه تعاقب على شرحها وتوضيحها أناسٌ من مختلف الخلفيات العلمية، فمرة ترى هرمس يُذكَر بكتب رجال الدين، ومرة تراه يُذكَر بكتب المنجمين والفلكيين، وحينا أُخر تراه في كتب الفلاسفة، وهكذا.. فلا يوجد طيف واحد يجمع الهرمسية؛ ولعل ذلك من مميزاتها كما من سلبياتها، فقديمًا، كانت الفلسفة تندرج تحتها الكثير من المواضيع، كالكيمياء والطب والأخلاق والفلك وغير ذلك، ولذلك، كانت متشعبة ومتنوعة، ولهذا السبب ذاته سُميَت بـ(أم العلوم).
ولذلك، فلا يوجد تعريف موحد للهرمسية، ولكن ومع ذلك فإني سأضع لها تعريفًا محاولًا بذلك توضيحها وجعلها سهلة التناول للقارىء الحديث، فإن أتينا لتعريفها عرفناها بأنها:" تيارٌ فكريٌ يعمل على الغور في بواطن الأمور المختلفة، متبعةً بذلك الإخفاء والكتمان عن العامة"، فهي:
1. تيار فكري: لإنها تتناول مختلف المواضيع
2. تسبر الأغوار: لإنها تتناول مواضيع بتعمق بليغ، وإن كانت أحيانًا موجزة في العبارات.
3. متخفية عن العامة: وذلك لإن المواضيع التي تتناولها الهرمسية ممنوعة دينيًا أو أنها تثير الجدل عادةً، ولذلك فضل الكثير من شرّاحها التخفي تحت اسم مستعار أو الابتعاد عن نظر العامة.
ومما يجدر قوله، بأن الهرمسية أثرت على الكثير من التيارات الفكرية والفلسفية والدينية في العصور الوسطى، فمن ناحية الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى؛ فإنه ثد ظهر تأثيرها في علم الخيمياء والفلك والفلسفة والأديان، فكان المشتغل بهذه العلوم يقرأ عن هرمس ويطلع عليه ويعرفه جيدًا؛ لإن تعاليم هرمس كانت تعاليمًا منتشرة بكافة العلوم، للأسباب التي عرضناها سابقًا.
والهرمسية كتيار فلسفي (لا كتيار خيميائي/ فلكي)، تعمل على فكرة وحدة الوجود، إذ يتوحد وجود الإنسان مع الإله الذي يعبده، وهي بذلك الحال تشابه الأفلاطونية والمتصوفة والكابالية في تأكيدهم على وحدة الوجود.
وينبغي إذ وصلنا لهذه النقطة أن نعرج على موطن هرمس، فبنظري، هرمس كشخص لا بد من أن يكون له موطن، وموطنه حسب نظري هو اليونان القديمة وضواحيها؛ ذلك أن أفكاره كلها تتوافق مع الفلسفة اليونانية والفكر الإغريقي القديم، ولذلك، أرجح أن يكون هرمس يونانيًا لا مصريًا أو بابليًا.
وتوجد الكثير من الكتب التي تتناول المواضيع الهرمسية، فمثلًا، كتاب (بيوماندريس الإلهي) وكتاب (هرمس الأعظم) وكتاب (كوربوس هيرميتيكوم) وكتاب (اللوح الزمردي) وكتاب (متون هرمس- حكمة الفراعنة المفقودة)، كلها كتب تتناول الهرمسية بشكل موسع، ولكن أكثر كتاب مفصلي من بين هذه الكتب هو كتاب (بيوماندريس الإلهي) لمؤلفه جون إيفرارد، إذ يبحث هذا الكتاب في مفاهيم مثل الله/ الخير/ الشر/ الوجود/ الكون، وغير تلك من المفاهيم.
كما أن هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة مخاطبات موجهة من هرمس لابنه، تات أو تحوت، كما أنها موجهة لتلميذه أسكليبوس، والذي يُعتَقَد أنه حكيم من الحكماء أسس علم الطب وعمل على تطويره في الحضارة القديمة، وبالعموم، يأتي الكتاب بصيغة فلسفية وحكمية تخلط ما بين الفلسفة والروحانيات، وتعمل على إرساء أفكار وآراء في الأمور الكونية والمسائل الوجودية التي شغلت ذهن البشر، كما أن هذا الكتاب وكافة الكتب الهرمسية الأخرى تعمل على تقديم نصائح حياتية للقارىء من الناحية التأملية؛ إذكاءً لقريحته الذهنية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |