ألشيخ الأحمر والاحتفال بعيد العمال مرة أخرى

جهاد حمدان
2026 / 5 / 2

لمناسبة عيد العمال، الأول من أيار عام 2019، نشرت المقال أدناه، وثقتُ فيه مشهداً أثر في نفسي لشيخ جليل لم أكن أعرف هويته آنذاك، لفت نظري بصموده وإصراره على حمل الراية، سميته حينها "الشيخ الأحمر". واليوم، بعد أن عرفت من هو، أعيد نشر المقال كما كتبته حينها، لأختمه بتعريف مقتضب يليق به.
أيار 2019
عدت للتو من فعالية مهمة نظمها الملتقى الوطني للأحزاب والقوى القومية واليسارية الأردنية. سأخط هنا جانبا يسيرا من انطباعاتي وما تركته هذه الفعالية من أثر عميق في نفسي.
تجمّع المشاركون أمام مكتبة الأمانة وسط العاصمة عمان. بسرعة وجدت نفسي ورفيقي، الذي يشاركني الكدح بذهنه في عالم الأكاديميا، وسط المشاركين بل أقرب إلى المقدمة. الرايات الحمراء ترفرف فوق الرؤوس فتملؤني زهوا. كيف لا وهي من جادت عليّ فأعطتني لونها وأنا لم أكمل السادسة عشرة. أما الهتافات فتركزت حول التخلص من سطوة رأس المال وسن قانون عمل يحمي حقوق العمال ويزيل ما لحق بهم من ظلم، علاوة على المطالبة بفك الارتباط مع صندوق النقد الدولي. ولكن الهتاف الأكثر أصالة وامتدادا في تاريخ النضال الوطني والطبقي في الأردن فكان "خبز، حرية، عدالة اجتماعية". وأكاد أجزم أن هذا الهتاف، الشعار، هو ما حرّكني شابا لأراني كما أنا اسما ولونا.
تحرك المشاركون وصولا إلى الساحة الهاشمية وتوالت الهتافات وتبعتها الخطابات. لحظتُ رفاقا وأصدقاء قدامى حييت إيماء من لم أجاورهم الوقوف وصافحت من وجدتني بجانبهم. موقف واحد شدّني ولم أستطع منه فكاكا.
وقع نظري، مرة واحدة هكذا، على شيخ كبير يرفع راية حمراء كبيرة تحمل المطرقة والمنجل، ثبّت ساريتها في وسطه علّ حزامه يساعده على إبقائها مرفوعة خفاقة أطول فترة ممكنة. لفتّ انتباه رفيقي إلى هذه المشهدية وسألته كم تقدّر عمر الشيخ فقال أظنه ناف عن التسعين.
ما الذي حمل هذا الشيخ الأحمر الجليل تجشّم مشاق النزول إلى وسط البلد ووصول مكان الفعالية والانضمام إلى جموع المشاركين؟ بل ما الذي حمله ليذهب إلى الشاب المسؤول عن الرايات ليأخذ راية كبيرة قد يخذله جسمه النحيل فلا يتمكن من الوفاء بمتطلبات احتضانها ورفعها عالياً لمدة قد تطول أو تقصر؟ لم أشهد كامل هذا السيناريو الذي حاكه مِخيالي، لكنني أظن انّ الشاب، الذي ناوله الراية، لم ينبس بكلمة قد تجرح كرامة الشيخ فتشعره بضعفه الجسدي. وربما كان مثلي يرقبه عن بعد معجبا بصنيعه ويريده أن ينجح في مهمته.
لم يشهد إرنست همنغواي ما شهدْتُه عندما كتب رائعته الشيخ والبحر. كان سانتياغو في عمر شيخنا عندما عانده البحر أربعة وثمانين يوما. يمتطي مركبه مع أنفاس الصباح الأولى ويعود بعد أن يرخي الليل سدوله دون أن يصطاد سمكة واحدة. لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبه وعزيمته. فتابع ركوب البحر ليلْحَظ ابتلاع سمكة عملاقة لخطافه. تحاول السمكة الفكاك، تتمرد على حظها، تجرّب قلب القارب وسانتياغو يكافح إلى أن ظهرت إلى السطح فيطعنها بحربته فتهدأ ويربطها إلى قاربه. ويبدأ رحلة العودة مزهوا بانتصاره. ولكن فرحته لم تكتمل فرائحة الدم حرّكت شهوة أسماك القرش فأخذت تنهش حلم سانتياغو، سمكة المارلين العملاقة. واستمر الصياد في رحلة العودة. وعندما وصل كان الفجر قد بزغ. ويا لهول المفاجأة. لم يبق من السمكة إلا هيكلها العظمي. نظرها سانتياغو بألم وحسرة. غلبه التعب، ركن قاربه ونام. فموعده الغد في رحلة كفاح جديدة.
عودة إلى شيخنا الأحمر. فعقده التاسع ينبئ أنه من عمر الرايات الحمراء في بلادنا. ربما رفعها أول مرة في نيسان ١٩٥١ وربما قبل ذلك. وربما شارك في رفعها في فعاليات انتخابات ١٩٥٦، التي حملت اثنين من رفاقه إلى سدة البرلمان، يعقوب زيادين وفايق ورّاد، وأتت بحكومة سليمان النابلسي التي عبرت عن رغبة الشعب في بناء أردن ديموقراطي وفي الخلاص من التبعية الأجنبية. ولم تطل فرحة الشيخ فأطاحت أسماك القرش بحكومة الشعب. ربما كان شيخنا بين من سيقوا بعدها إلى سجن الجفر الصحراوي حيث قضى حملة الرايات الحمر ثماني سنوات متصلة. ومن يدري فقد يكون شيخنا ممن أعادوا رفع الراية في هبة نيسان ١٩٨٩. ولكن مكتسبات الهبة لم تطُل. وعادت أسماك القرش لتنهش المكتسبات فأتت ببدعة الصوت الواحد وتراجعت الحرية والديموقراطية. لم ييأس الشيخ. ظلّ صامدا تعلو الراية هامته حتى انتهاء الفعالية. غادرْتُ المكان ولم أعرف اسم الشيخ ولم أحادثه، لكنه صنع لي مساء جميلا رائعا. خِلْتُه قال لي وهو يبتسم دون أن يعرف اسمي ودون أن يراني: أجل، ما زلنا نقبض على الحلم، ما هُنّا يوما ولن نهون. وأراني رددت تحيته وقلت له شيئا يشبه ما أنهى به سانتياغو يومه الصعب: قد تتباطأ خطواتنا ونخسر بعض معاركنا لكن لا شيء في هذا العالم قادر على قهرنا وهزيمتنا.
أيار 2026
أما "الشيخ الأحمر" الذي ألهمني في ذلك اليوم، فلم يكن إلا الرفيق حسين سعيد عوض الله (1931-2021) الذي كرس حياته للعمل الوطني والطبقي ضمن صفوف عصبة التحرر الوطني ووريثها الحزب الشيوعي الأردني، مكابداً مرارة الاعتقال في سجني المحطة والجفر في الخمسينيات، قبل أن يقضي عقوداً من حياته في العمل السري ضمن فريق "الجهاز" المسؤول عن المطبعة وإصدار جريدة الجماهير والكراسات الحزبية وتوزيعها، متخفياً بأسماء مستعارة حتى عام 1989، ثابتاً على عقيدته النضالية التي لم يتزحزح عنها حتى آخر يوم في عمره.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر