معضلة الشر في الفلسفة الرواقية: قراءة في تأملات ماركوس أوريليوس

زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 1

يعد الشر من أبرز الأمور التي تصيب الإنسان في الحياة اليومية والواقعية؛ بحيث يكره الإنسان وقوعه له وحدوثه في حياته، والرواقية؛ بوصفها فلسفة تعلمنا كيفية العيش في الحياة ومواجهة الحياة بكل قوة وواقعية، تزخر بالتعاليم الكثيرة التي تعطينا وصفات لتحمل الشر ومواجهته؛ ويُعد كتاب "التأملات" من أبرز الكتب التي تحدثت عن هذا الأمر؛ بحيث تناول ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقي هذا الأمر في بداية الفصل السابع من الكتاب السالف ذكره.
إذ يبدأ ماركوس أوريليوس الفصل بالسؤال حول الموضوع الأساسي لهذا الفصل، وهو: ما الشر؟ فلو أردنا تعريف الشر، لوجدنا أنه يحتمل عدة معانٍ؛ منها الجهل على سبيل المثال؛ والذي بدوره ينقسم لنوعان؛ جهل نظري وجهل عملي.
فالجهل العملي هو الجهل بأمور الحياة، ويرتبط بنقص الحكمة والبصيرة والتروي والتدبر والتأمل؛ فعندما يكون الإنسان جاهلًا عمليًا؛ فإنه لا يعرف كيف يدير شؤون حياته ولا كيف ينظم أحواله، أما الجهل النظري فهو عدم معرفة الإنسان بالعلوم والكتب والفنون المختلفة؛ فمثلًا، لو أعطيت شخصًا كتابًا في الفيزياء، فقد لا يعرف كيف يفك رموزه أو يحل معادلاته.
ومع ذلك، فإن معظم الناس يغلب عليهم الجهل النظري؛ إذ نجد أن من يبلغون أعمارًا متقدمة غالبًا ما يمتلكون خبرة عملية كافية في الحياة، لكن معارفهم النظرية تبقى محدودة، وذلك لأسباب عديدة، منها أن الإنسان عادةً ما يتخصص في مجال واحد، فيصعب عليه الإلمام بكافة التخصصات الأخرى.
ومن معاني الشر أيضًا حسب ماركوس أوريليوس هو ما يمكن تسميته بالعلم المضل أو الجهل المركب؛ وهو أن يظن الإنسان أنه يعلم، بينما هو في الحقيقة يجهل، ومثال ذلك من يعتقد أن كل من يخالفه في العقيدة عدو يجب إقصاؤه أو إيذاؤه، فهذا النوع من "العلم" ليس إلا جهلًا مركبًا، لأنه قائم على اعتقاد خاطئ بامتلاك الحقيقة المطلقة.
وبذلك، يمكن القول إن الشر قد يكون: الجهل بصورتيه النظرية والعملية (الجهل البسيط)، أو الجهل المركب، حيث لا يدرك الإنسان جهله، وقد يظهر الشر أيضًا في الأفعال الإجرامية، كالقتل والسرقة، وهي غالبًا ما تنبع من هذا الجهل؛ خاصةً الجهل المركب.
لكن ماركوس أوريليوس يقدم تصورًا آخر للشر، فيرى أنه يتمثل في النقص الذي يتكرر في العالم، مثل الحروب والموت والجروح والمصائب المفاجئة؛ فهذه الأمور عادةً ما تتكرر باستمرار، مما يجعلها تبدو وكأنها سمة من سمات الحياة، ومن هنا، قد يبدو أن نظرته تميل إلى التشاؤم، إذ يوحي بأن الشر أمر متكرر وربما غالب.
غير أن هذا الرأي، وإن كان يحمل جانبًا من الصحة، إلا أنه ليس مطلقًا؛ فالحياة قد تفاجئ الإنسان بأمور إيجابية غير متوقعة، كما أن مفهوم الشر نفسه نسبي، فما يكون شرًا لشخص قد يكون خيرًا لآخر، فمثلًا، فقدان وظيفة قد يكون خسارة وشرًا لشخص، لكنه فرصة لآخر قد يغتنم هذه الوظيفة.
ويؤكد ماركوس أوريليوس على فكرة مهمة، وهي أنه عندما يواجه الإنسان أمرًا شريرًا، عليه أن يتذكر عدة أمور، أولها أن هذا الأمر ليس جديدًا، بل قد حدث مرارًا من قبل وتكرر معه، فمثلًا، لو أخذنا المرض على سبيل المثال، فإن الإنسان عندما يمرض يمر بنوع من "الشر"، لكن، هذا الشر قد عهده سابقا وعرف ماهيته؛ فلا يجب عليه أن يخاف منه إذًا.
أما ثاني النقاط التي يؤكد عليها ماركوس أوريليوس لمواجهة الشر فهو أن الشر نسبيٌ ومتغير؛ بمعنى أن ما هو شر في بعض الأوجه خير في أوجه أخرى، فمثلًا، فقدان الوظيفة هو باب لنيل وظيفة أخرى قد تكون أفضل من الوظيفة السابقة.
أما ثالث هذه النقاط حسب فلسفة ماركوس أوريليوس، فهي ضرورة التحلي بالصبر؛ ذلك أن الصبر كفيل بأن يكشف حقائق الأمور مع مرور الوقت ومضي الساعات والأيام، فيكتشف الإنسان حقيقة الأمر الذي كان يظنه خيرًا ومع مرور الوقت اكتشف أن الأمر ما هو إلا أمرٌ صغير
فقد يظن الإنسان أن أمرًا ما شرٌّ محض، ثم يكتشف لاحقًا أنه كان سببًا في خير كبير، ومثال ذلك شخص ظن أن دخوله تخصصًا معينًا كان خطأ، لكنه أدرك لاحقًا أنه كان سببًا في نجاحه واستقراره، ومن هنا، يمكن القول إن الخير أيضًا يتكرر كما يتكرر الشر، فلماذا نركز دائمًا على الجانب السلبي؟ ربما أراد ماركوس أوريليوس أن ينبه الإنسان إلى ضرورة الاستعداد للشر، لأن تحمله له يكون أصعب من تحمله للخير.
في النهاية، يمكن فهم الشر على أنه يحتاج إلى صبر وتدبر وتأمل، فقد يكون في ظاهره شر، لكنه في باطنه خير مستتر، وعلى العموم، ومهما يكن أمر الخير والشر، فإني أوصي القارىء بأن يقتدي بالفلسفة الرواقية سواء من الناحية النظرية أو العملية؛ لفائدتها الجمة في حياة الإنسان على مواجهة التحديات المختلفة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي