|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 5 / 1
كانت متعتي، في أيامٍ أسميتها الاغتراب القسري، أن أقتنص عطلةً جامعية أفرّ فيها من سطوة التفكير والبحث، هاربًا "ولو مؤقتًا"من عالمٍ اسمه العلم. كنت معلّقًا بين صراع الدراسة وأفق حياةٍ مؤجلة، وبين وطنٍ ينزف في حربٍ بلا ذاكرة، حرب تسحق بلدين دون معنى يُبرّر هذا الفيض من الدم.
كانت ذاكرتي تطلب خلوتها كلما سنحت الفرصة. ولم أجد رفيقًا سوى صخرةٍ صمّاء، استقرّت على ساحل قناة بريستول عند تخوم الأطلسي، في كاردف .
هناك ، حيث كان شريط الماضي يمرّ كوميض برق عبر بوابات قصرٍ شامخ، خالٍ إلا من ضوءٍ باهت. وكنت أتساءل: لمن هذا القصر الذي يجاور صخرتي، صخرة الإصغاء الصامت لوجعي؟
في عمق الصمت، كان الصدى يجيب: هنا سكن رجلٌ حكم بريطانيا، رجلٌ حمل ذاكرة أمة بأكملها. عندها تتجلى مفارقة ما أشار اليه هنري بيركزون: الذاكرة ليست ماضيًا منقضيًا، بل حضورٌ حيّ يتجدد. فالقصر، رغم فراغه، مثقلٌ بما لا يُرى، بينما الصخرة، في صمتها، تبدو أكثر حياة لأنها تشارك الإنسان وجدانه.
قلت في سرّي: يا جيمس كلهان، أوجاعك أوجاع أمة، وأوجاعي أوجاع وطنٍ تكدّست في داخلي. ومع ذلك، تبدو هذه الصخرة"في بساطتها" أقدر من هذا القصر على انتزاع الألم منا معًا. هنا تستعاد فكرة فريدريك نيتشه :الألم ليس عبثًا، بل علامة على عمق المعنى. غير أن الإنسان يظل يبحث عن هيئةٍ يُحتمل بها هذا المعنى.
كلما اشتدّ وجع الذاكرة، لجأت إلى الفلسفة، لا لأهرب، بل لأفهم.
كنت أغادر صخرتي وقد خفّ شيءٌ في داخلي، وأراها تواجه أمواج البحر كأنها تبتسم ابتسامة من يعرف سرّ النسيان ،ذلك النسيان الذي رآه فيلسوف فرنسا بول ريكور ضرورةً لا تقلّ شأنًا عن التذكّر ،فبدونه تتحول الذاكرة إلى عبءٍ لا يُطاق.
أبتعد قليلًا، فأرى القصر يزداد ثِقلاً، بلا هدنة. هنا يتضح الفرق: مكانٌ يكدّس الذاكرة حتى تختنق، وآخر يتركها تنساب في أفق البحر. القصر مستودعٌ للألم، أما الصخرة فوسيطٌ بين الإنسان والطبيعة ، تمتصّ وجعه وتعيده سكونًا.
ومع اقترابنا من خريف العمر، لا تعود الذاكرة مجرد استرجاعٍ لما كان، بل تغدو طريقةً للعيش بما تبقّى. نكتشف متأخرين قليلًا، أن ما ظننّاه ماضيًا منتهيًا لم يكن إلا شكلًا آخر للحضور ،حضورًا يخفّ حينًا، ويثقل حينًا آخر.
في هذا الخريف، لا نعود نبحث عن انتصارٍ على الألم، بل عن مصالحةٍ معه ، نصغي إليه كما نصغي لموجٍ بعيد، لا لنوقفه، بل لندرك إيقاعه.
وهنا تستعيد أفكار بول ريكور معناها الأعمق: فالتوازن بين التذكّر والنسيان لم يعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. نحتفظ بما يمنحنا معنى، ونترك ما يثقل أرواحنا دون جدوى.
فنحن في خريف العمر، لا نقف بين صخرةٍ وقصر، بل نصبح "على نحوٍ ما" كليهما: نشيّد داخلنا قصورًا من الذاكرة، ونتمنى لو امتلكنا صلابة صخرةٍ تُحسن الإصغاء، ثم تُحسن الإفلات.
ما زالت الذاكرة تحنّ إلى تلك الصخرة، حيث كان الألم يجد طريقه إلى الخفوت. أما قصر كلهان، فيبقى شامخًا، لكنه مثقل بذاكرةٍ لم تتعلم كيف تتحرر.
وهكذا تنكشف فلسفة الوجع:
ليست في ما نحمله من ماضٍ،
بل في الكيفية التي نسمح له أن يسكننا بها.
فالصخرة، على حافة البحر تُشبه علاجًا صامتًا،
تأخذ منّا ما يثقلنا، وتُعيده إلى العالم خفيفًا كالموج،
أما القصر"رغم فخامته" فليس إلا ذاكرةً مغلقة،
يتردد فيها الصدى دون أن يجد طريقه إلى النسيان.
وفي خريف العمر، لا ننجو من الذاكرة، بل نتعلّم كيف نعبرها بخفّة، نُهذّب ظلّها ونصالح وجعها. وكأن صدى كلمات الكاتب الروسي ديستوفسكي يرافقنا: لا يمكث في الذاكرة إلا ما حاولنا نسيانه، فيتحوّل إلى ذلك الوجع الصامت الذي يذكّرنا بأن بعض الذكريات لا تُمحى، بل تُروى برفق.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |