|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 5 / 1
كان العالم قديمًا بسيطًا، إلى حدّ السذاجة:
الأفضل يفوز، والأجود يُطلب، والأذكى يتقدم.
ثم جاء عصر “العروض الخاصة”، وقرّر أن يعيد كتابة القاعدة:
لم يعد الأفضل هو من ينجو… بل الأرخص هو من يُشترى.
أولًا: الجودة… ترفٌ لا يُحتمل
في زمنٍ ما، كانت عبارة “صُنع بإتقان” تُكتب بفخر.
اليوم، تُكتب عبارة “أرخص سعر في السوق” بخط عريض،
أما الجودة، فتُذكر بخجل… إن ذُكرت أصلًا.
لم يعد السؤال:
“هل هذا المنتج جيد؟”
بل أصبح:
“هل يمكن أن يكون أرخص… حتى لو لم يعمل؟”
وهكذا، تحوّل المستهلك إلى مقامر محترف:
يشتري الشيء مرتين، لأنه أراد أن يوفر ثمنه مرة.
ثانيًا: الإنسان… عرض قابل للاستبدال
في سوق العمل، لم يعد “الأفضل” هو الأكثر خبرة أو إبداعًا،
بل الأكثر استعدادًا للتنازل:
يقبل براتب أقل؟ ممتاز.
يعمل ساعات أطول؟ رائع.
لا يشتكي؟ تم اعتماده فورًا.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
أصبح التفوق عبئًا،
وأصبح الطموح يحتاج إلى “تخفيض” كي يُقبل.
ثالثًا: التعليم… حين تصبح المعرفة سلعة مخفّضة
حتى التعليم دخل المزاد:
دورات سريعة،
شهادات جاهزة،
ووعود بالنجاح خلال “سبعة أيام فقط”.
لم يعد الهدف أن تفهم،
بل أن تحصل على ورقة تثبت أنك ربما فهمت.
وهكذا، أصبحنا ننتج أجيالًا تعرف كل شيء…
لكنها لا تتقن شيئًا.
رابعًا: السياسة… أرخص خطاب يفوز
في عالم السياسة، لم يعد القائد الأفضل هو الأكثر كفاءة،
بل الأكثر قدرة على بيع وعودٍ رخيصة:
كلام بسيط،
شعارات جذابة،
وحلول سريعة لمشاكل معقدة.
والناخب؟
يشتري الحلم الأرخص… ثم يدفع ثمنه لاحقًا، مع الفوائد.
خامسًا: العلاقات… تخفيضات عاطفية
حتى العلاقات الإنسانية لم تسلم:
مشاعر سريعة،
التزامات خفيفة،
واهتمام مؤقت.
أصبح الناس يبحثون عن “أقل تكلفة عاطفية”،
حتى لو كانت النتيجة علاقة بلا عمق.
خاتمة: هل نجا الأرخص فعلًا؟
قد يبدو أن الأرخص هو الفائز في هذا العالم،
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا:
الأرخص قد يُباع أكثر،
لكنه يُستبدل أسرع.
أما الأفضل، فقد يُهمل مؤقتًا،
لكنه يبقى… حين يتعب الجميع من الرداءة.
وفي النهاية، يبقى السؤال:
هل نريد عالمًا مليئًا بالأشياء الرخيصة…
أم عالمًا يمكن الاعتماد عليه؟
أم أننا سنستمر في هذا السباق الغريب،
حيث نفوز بالسعر… ونخسر القيمة؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |