|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

غالب المسعودي
2026 / 4 / 28
تُمثّل إشكالية الانحياز الفكري في الفضاء الرقمي المعاصر إحدى أكثر القضايا تعقيداً في الفكر الفلسفي والسياسي الراهن؛ إذ لم تعد المسألة محصورة في انحيازات بشرية عفوية، بل تحولت الى عملية بنيوية منظمة تهدف إلى ما يمكن وصفه بـ "إحكام الطوق" على وعي المثقف التحرري. إن هذا المفهوم، المستلهم من الأدبيات العسكرية، يشير إلى حالة من الحصار الشامل الذي يسد ثغرات المناورة كافة؛ حيث ينتقل المثقف من مواجهة "وصاية" سلطوية تقليدية واضحة المعالم، إلى الغرق في فضاء تقني يدّعي "الحرية" بينما يعيد إنتاج الهيمنة بوسائل حسابية وأداتية مستترة. إن الفهم العميق لهذه الظاهرة يتطلب تفكيك البنى التحتية للتقنية، لا بوصفها أدوات محايدة، بل بوصفها أطروحات محملة بالقيم، وأجهزة فكرية تعمل على أتمتة السيطرة الرمزية وتنميط الوعي البشري وفق منطق "رأسمالية التتبع والاستحواذ".
البنية الفكرية العميقة للفضاء الرقمي
تبدأ المقاربة الفلسفية لهذه الإشكالية من خلال التمييز بين "المنظومة الفكرية" (الأيديولوجيا) بوصفها فلسفة عمل، وبين "التمذهب الفكري" الذي يعني الانغلاق على الرأي الخاص. في الفضاء الرقمي، تتبدى المنظومات الفكرية بصورتها الأكثر فجاجة؛ فهي لم تعد مجرد نسق من الأفكار، بل أضحت "نظرية إجرائية" يكون الولاء فيها لمصلحة القوى المهيمنة، سواء كانت شركات كبرى أو قوى قطبية، لا للقيمة المعرفية في حد ذاتها. إن التوق إلى عالم "ما بعد الفكر" في العصر الرقمي يظل واحداً من أكثر الأوهام رواجاً؛ إذ إن الفكر المنحاز رفيق ملازم للإنسان، يحل معه حيثما حل، ويعاقر عقله في الفضاء الافتراضي كما فعل في الواقع الملموس.
تكمن الخطورة في أن هذه المنظومات تمارس دوراً في "التزييف البنيوي" بصورة غير واعية؛ ولكنها في لحظات الاحتدام، وعندما تستنفد أغراضها التجميلية، تبدأ في ممارسة التزييف العاري بوعي وتصميم. وهو ما نلاحظه في المعايير الحسابية للمنصات الثقافية التي لم تعد قادرة على مواراة تحيزاتها خلف ستار الحياد التقني. إن منطق الفكر هنا يندمج مع "منطق الآلة"، مما يضع المثقف أمام معضلة كبرى: كيف يمكن ممارسة "الكلمة الحرة" في بيئة صُممت أساساً لخدمة مصالح الممول والمالك؟
دلالات "إحكام الطوق" الرقمي
يحمل مصطلح "إكمال الطوق" في الذاكرة التاريخية العربية دلالات ترتبط بالحسم والسيطرة المطلقة؛ ففي السياق التاريخي، كان إكمال الطوق حول الخصم يعني شل حركته تماماً ومنعه من أي إمكانية للإفلات. وفي الفضاء الرقمي، يكتسب هذا المفهوم بعداً فلسفياً يتمثل في "إغلاق الدائرة المعرفية" حول المثقف. فلم يعد الأمر يتعلق بمنع المثقف من الجهر برأيه (الرقابة التقليدية)، بل بجعل كلامه "غائباً عن الرؤية" أو "فاقداً للأثر" عبر إحاطته بفيض من المعلومات الموجهة التي تعمل كطوق يعزل صوته عن الجمهور. إن امتداد الهيمنة من "بقعة الوصاية" إلى "فضاء الكلمة الحرة" يمثل تطوراً خطيراً في تكتيكات السلطة الرقمية، حيث يتم تحويل الكلمة الحرة ذاتها إلى مادة خام داخل الطوق الفكري.
الهيمنة في عصر الأتمتة ورأسمالية المراقبة
بالإسقاط على رؤية "أنطونيو غرامشي"، نجد أن الهيمنة هي قوة فكرية تسعى لتوحيد المصالح تحت قيادة مجموعة مسيطرة. وفي العصر الرقمي، انتقلت هذه الهيمنة من "حرب الحركة" إلى "حرب المواقع" داخل بنية المجتمع المدني الرقمي. إن المنصات الرقمية اليوم هي "المواقع" الجديدة التي تجري فيها عملية صياغة الكتلة التاريخية المهيمنة، حيث تُفرض المعايير الثقافية عبر آليات الفرز والترجيح الآلية.
تعتبر "رأسمالية المراقبة" المحرك الأساسي لإحكام الطوق؛ إذ تقوم هذه المنظومة على مصادرة التجربة الإنسانية وتحويلها إلى "بيانات سلوكية" قابلة للمتاجرة. والهدف النهائي هنا ليس الربح المادي فحسب، بل ممارسة "القوة الأداتية" التي تهدف إلى التنبؤ بالسلوك البشري وتعديله بما يخدم مراكز رأس المال. إن المثقف التحرري، الذي يجد جوهر وجوده في الاستقلال والكرامة، يجد نفسه اليوم أمام نظام لا ينكر هذه القيم فحسب، بل يعتبرها عوائق أمام "فيزياء اجتماعية" أكثر استقراراً ونمطية. إن "إحكام الطوق" هنا يعني الانتقال من السيطرة على "ما يقوله" المثقف إلى السيطرة على "كيف يفكر"، وتوجيه وعيه حتى قبل أن يصيغ كلمته.
التبعية الرقمية وإعادة إنتاج الطبقية المعرفية
لا يمكن فصل الانحياز الفكري عن البعد الجيوسياسي؛ فما نسميه "فضاء الكلمة الحرة" هو في الحقيقة ساحة لـ "استعمار رقمي" جديد يقوم على استغلال البيانات كمورد استراتيجي مستخرج من المجتمعات لخدمة المراكز التقنية الكبرى. إن السيطرة على محركات البحث وبوابات المعلومات تمثل هيمنة تمثيلية تلغي التنوع الثقافي وتفرض رؤية أحادية للعالم. ووفقاً للمقاربة النقدية، فإن كل قفزة تقنية في النظام المادي لا تؤدي بالضرورة إلى تحرير الإنسان، بل إلى إعادة إنتاج الهيمنة بوسائل أكثر دقة. إن الذكاء الاصطناعي اليوم يمثل أداة للطبقة الرقمية المسيطرة لتعزيز قبضتها على وسائل الإنتاج المعرفي، مما يعمق "اغتراب" المثقف الذي يتحول إلى "مصدر بيانات" يغذي الآلة دون أن يملك سيادة على نتاجه الفكري.
استراتيجية الغمر وسراب الوفرة
يواجه المثقف اليوم نمطاً جديداً من الحصار لا يعتمد على "ندرة" المعلومة، بل على "وفرتها المضللة". وتشير الدراسات الوصفية للسلوك الرقمي إلى استراتيجية "الغمر النصي"، حيث يتم إغراق الفضاء الرقمي بمحتوى هائل يطغى على الكلمة الرصينة ويستنزف أثرها. هذا الإغراق يهدف إلى خلق حالة من "العماء الفكري" تجعل من الصعب على الجمهور التمييز بين الحقيقة والتزييف الممنهج، مما يجعل المنظومة الفكرية المفروضة تقنياً هي "العين" الوحيدة التي يرى بها المثقف العالم، وهنا يفقد القدرة على النقد الجذري.
كسر الطوق واستعادة الكلمة
إن "إحكام الطوق" على رقبة المثقف التحرري ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج خيارات اقتصادية وسياسية يمكن نقدها وتفكيكها. إن الهيمنة الرقمية، مهما بلغت سطوتها، تظل عرضة للمقاومة. الكلمة الحرة اليوم هي تلك التي تدرك شروط "سجنها الرقمي" وتسعى لتفكيك جدرانه من الداخل. إن الانتقال من "بقعة الوصاية" إلى "فضاء الكلمة الحرة" لم يكن تحرراً كاملاً، بل كان انتقالاً من رقابة "السلطان" التقليدي إلى رقابة "المعادلة الحسابية".
ولكن، كما يرى غرامشي، فإن "حرب المواقع" تتطلب صبراً وعملاً دؤوباً لبناء وعي جديد قادر على استعادة الفضاء الرقمي بوصفه مشاعاً إنسانياً. إن المثقف مطالب اليوم بأن يكون "ناقداً رقمياً" يمارس فكره بذكاء، ويخترق الطوق ليزرع بذور التنوير في قلب الآلة. الهدف النهائي هو الوصول إلى "العدالة المعرفية"، حيث لا يكون الفضاء الرقمي أداة للحصار، بل نافذة لإطلاق سراح الكلمة من قيود التنميط، وإعادة الاعتبار للمثقف بوصفه ضميراً حياً لا يقبل الوصاية، مهما كانت أشكالها تقنية أو براقة. إن استعادة الوعي في زمن الذكاء الاصطناعي هي المعركة الفلسفية الكبرى، وهي الكفيلة بضمان مستقبل تتنفس فيه الكلمة هواء الحرية الحقيقي.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |