ترتيبُ القلق

بلقيس خالد
2026 / 4 / 27

جاءتني.. كفكرةٍ قلقة: (كنتي)،
وقفت قبالتي..
ترددت قليلاً، ثم همست:
قومي معي..
ساعديني على ترتيب غرفة المؤنة.

في غرفةٍ بلا نوافذ،
كجنودٍ يصطفون بانتظار الأوامر:
الأكياس.

عجوز أشيب.. يتمتمُ: أنا احتمالات جوع قادم
: كيس الطحين.

أكياس الأرز..
كل حبةٍ ترتدي خوذةً،
وتنتظرُ معركةً.. قد لا تأتي.

بينما يموجُ ..
كلما مر بجانبه الخوف،
بحرٌ سجينٌ في الصفيح: الزيت.

وعلى الجدار..
رفوفٌ مجهدة،
تحملُ على ظهورها
قرىً من العدس،
وحقولاً من الفاصولياء،
تتبادل همساتٍ خضراً
حين ينام الضوء.

وكأنما يعرفُ سراً.. عن مرارةٍ وشيكة،
يضحكُ بسخرية: السكر.

وبجانبهِ..
صناديق الشاي، يتصاعد منها بخارٌ..
برائحة هيلٍ يحاولُ استعادة رائحة العصر..

في آخر الرف..
علب الملح تئن،
وفي داخلها بحارٌ ميتة.

دمعةٌ..
تعلمت كيف تختبئُ
داخل الطعام،
كي لا نفتضح أمام أنفسنا
: الملح.

في غرفة المؤنة..
لا أحد يعرفُ أين ينتهي الجوع،
وأين تبدأُ الذاكرة.

الرغيف
: صورةٌ قديمةٌ لأمٍ
تقسمُ النهار إلى حصصٍ
متساويةٍ.. من الطمأنينة.

اسمٍ نسيناهُ..
ولا ينسى أن يؤلمنا
: الحصار.

في زاوية الغرفة..
أكياس الفحم
تتذكرُ بحزن كيف كانت..،
قبل أن تتحول إلى مشروع احتراق.

وصامتٌ، يمارسُ طقوس انتظاره،
الشمع.

وقفتُ أتأملُ هذا الجيش من الاحتياطات.
في الخارج..
الحرب في هدنة..،
وفي الغرفة..
كل شيءٍ يتدربُ على الأسوء،
حتى جهاز التبريد..
يحاول أن يجمد القلق..
كي لا يفسد.

حاولتُ أن أتمرد على الصورة..
صوت (كنتي) داهمني:
في هذا البلد، لا يوجد وقتٌ آمن،
كل يومٍ.. هو مشروع كارثة.

شعرتُ بالضيق..
خرجتُ من فكرة استقرار العالم،
تركتُ وراءي أكياساً..،
وبحاراً..،
وشموعاً تعرفُ الطريق.. ولا تسلكه.
تركتُ نسخةً مني..
ترتبُ المؤنة،
كما ترتبُ.. نهايةً مؤجلة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن