|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 4 / 24
في العرف السياسي العميق، لا تنفصل الدبلوماسية عن فوهات البنادق، وما يُطبخ اليوم في أروقة واشنطن بين المبعوثين الأمريكيين والوفود الممثلة للبنان وحكومة الكيان، ليس سوى "حرب كلمات" تُدار لترجمة موازين القوى الميدانية إلى نصوص ملزمة. هذه الطاولة هي مسرح مصغر لصراع بنيوي أشمل؛ حيث تصطف قوى الهيمنة الأمريكية وإسرائيل في مواجهة صريحة مع المحور الذي تقوده إيران. وفي هذا السياق الجيوسياسي، لا تعدو المفاوضات كونها خطة تكتيكية لشراء الوقت وإدارة لأزمة المركز في مواجهة قوى الأطراف المتمردة.
أزمة الكيان وإدارة واشنطن للصراع
تعيش إسرائيل اليوم أزمة بنيوية وتناقضات حادة، تتجلى في عجز آلتها العسكرية الغاشمة عن حسم المعركة ضد بنية مقاومة غير متناظرة. من هنا، تتدخل واشنطن كمدير أزمات يسعى لإنقاذ وكيله الأهم. "شراء الوقت" في القاموس الأمريكي-الإسرائيلي يعني تبريد الجبهة قسرياً لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة لا تتحملها حاضنتها الداخلية، وفي الوقت ذاته، منح الكيان المأزوم مساحة لترميم قوة ردعه المتآكلة بأقل كلفة ممكنة.
طريق مسدود وفخ الشروط الإسرائيلية
وفي حين تتشبث الدولة اللبنانية بالقرار 1701 كدرع حقوقي أخير، تصل المفاوضات إلى طريق مسدود. فإسرائيل تسعى لربط انسحابها من البلدات والقرى اللبنانية التي احتلتها بخطة تهدف إلى القضاء على حزب الله ضمن برنامج يبدأ بنزع سلاحه. المعضلة الكبرى هي أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على ذلك، وهي مهمة لم تقدر عليها أصلاً دولة الكيان وجيشها بآلته التدميرية.
بناءً على هذا العجز، لن تتقدم المفاوضات إلا باتجاه مسار واحد مفخخ: هندسة اتفاق بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، يبدأ بعيداً عن الأنظار، ثم يتحول إلى عمل علني مشترك للقضاء على المقاومة. هذا المسار غير مقبول قطعيًا من قوى المقاومة وحلفائها ومن أوساط لبنانية واسعة، ومصيره الفشل ومزيد من الضعف للحكومة اللبنانية التي لن تفيدها ورقة "الشرعية الدولية" التي تحاول الاحتماء بها. بل إن الانجرار إليه سيؤدي إلى تجريد الدولة من أوراق قوتها "الخفية" الحقيقية؛ وهي حزب الله، الذي لولا سلاحه وقدرته على الرد والردع، لما وافقت دولة الكيان على مفاوضة لبنان من الأساس، بل لأرسلت له مع المبعوث الأمريكي "معاهدة سلام" أقرّتها سلفاً، ليُبصم عليها ويوقعها.
الخيار الوطني واستراتيجية وحدة الساحات
أمام هذا التلاعب اللفظي لفرض مكاسب هيمنة ناعمة، يبدو الطريق الواضح متمثلاً في تفاهم وطني صلب بين الحكومة والمقاومة على خطة مشتركة، عمادها انسحاب القوات الغازية كأولوية لا مساومة عليها، وصون الوحدة الوطنية من محاولات الاختراق والفتنة، وعدم إغماض العين عن حقيقة أن العدوان على لبنان لا ينفصل إطلاقاً عن العدوان الأمريكي الصهيوني الشامل على المنطقة، والآن على إيران.
وهنا، لا يفيد إصرار الحكومة اللبنانية على القول إن "المسارين منفصلان". فإيران مصرة على استراتيجية الربط بينهما، وبلغة المصالح، فإن ترامب يفهم هذا الضغط ويستجيب له، تماماً كما حصل عندما حُمل نتنياهو على القبول بوقف إطلاق النار، وإن استمر في خرقه يومياً.
خلاصة
في المحصلة، لا تقدم واشنطن حلاً دبلوماسياً مستداماً، بل تفرض "هدنة مسلحة" مقنّعة ومؤقتة، مع بقاء الخط الأصفر الذي رسمه جيش الاحتلال ومع استمرار منع الأهالي من العودة إلى مساكنهم. هي استراحة إجبارية لشراء الوقت وسط ضجيج أخبار المفاوضات في واشنطن. ويحدث هذا كله في سياق صراع إرادات إقليمي طويل الأمد؛ ليؤجل الانفجار الكبير بانتظار نضوج ظروف جولة قادمة، يعيد فيها كل طرف ترتيب أدواته لحسم المعركة الأكبر.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |