موقف حكومات الخليج العربية من الحرب على ايران

محمد رضا عباس
2026 / 4 / 21

الحرب الامريكية – الإسرائيلية على ايران كشفت فقر الاستراتيجية العربية , ولاسيما دول الخليج العربية . هذه الدول تعرف ومنذ يوم سقوط الشاه , ملك ايران , ان الغرب وبالأخص الإدارة الامريكية ليست على مرام من توجهات القيادة السياسية الجديدة في سياستها الخارجية . القيادة الجديدة طردت ممثل إسرائيل في ايران و سلمت مفاتيح مقره الى ممثل فلسطين . وتعلم ان هناك غضب إيراني من دعم الغرب لشاه ايران , وكيف ان المخابرات الامريكية والبريطانية تعاونا على اسقاط حكومة محمد مصدق الذي أمم قطاع الطاقة الإيرانية عام 1953. وكان بإمكانها التدخل لأطلاق رهائن السفارة الامريكية في طهران . ولكنها لم تقدم يد التهاني الى النظام الجديد , بل دعمت كل من يريد أسقاط النظام الجديد , ومنها دعم نظام صدام حسين عندما اعلن الحرب على ايران .
دول الخليج كان باستطاعتها الضغط على الغرب من اجل الانفتاح على ايران وطوي صفحة الماضي , وبنفس الوقت تجعل من ايران دولة صديقة , خاصة وان ايران تملك كل صفات الدولة ذات المكانة المرموقة , من حيث عدد سكانها , حضارتها , ثقافتها , النظام السياسي الجديد والذي شارك فيه جميع الشعوب الإيرانية , واقتصادها المتين. اذن, كان هناك فرصة تعاون يعود منافعه على ايران وجميع الدول العربية . ليس هذا فقط , وانما قرب دول الخليج العربية من ايران يجعلها في حماية من أي طامع بها . إسرائيل استطاعت التمدد في منطقة الشرق الأوسط بمرور الزمن ولو تعاون العرب مع ايران لما كان هذا , ولما استطاع نتنياهو التصريح بانه استطاعة تغيير الشرق الأوسط , وهو خطاب يعد خنجر مسموما في صدر عرب المنطقة . العرب كان باستطاعتهم من جعل ايران الجدار القوي الذي يصد أي توسع إسرائيلي وتهديد هذا البلد وذاك بدون حياء . لم يجري ذلك . دول منطقة الخليج رمت نفسها في أحضان الولايات المتحدة , واعتبر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر على ان الخليج منطقة نفوذ امريكي , الامر الذي مهد الطريق لفتح القواعد الامريكية فيها . دول الخليج العربية اختارت أمريكا على الصداقة و التعايش مع جارتها ايران .
ومع وقوع دول منطقة الخليج في الحضن الأمريكي وتعاونها مع كل من يريد الشر بإيران , الا ان ايران بقيت مخلصة للدول العربية كافة وكانت تعبر في كل مناسبة عن رغبتها ببناء احسن العلاقات الأخوية معها . و لم يسجل التاريخ أي اعتداء إيراني على دولة عربية او غير عربية طيلة ال 47 من عمر التغيير فيها . ومع هذا بقيت دول الخليج متحسسة من ايران ودعمت صدام حسين بإشعال حرب معها ومدته بما يحتاجه من مال , حتى ان الملك الراحل فهد بن عبد العزيز اخبر صدام انه يتقاسم رغيف الخبز معه , في إشارة ان نصف الخزينة السعودية جاهزة لك , وهذا هو سبب تراكم ديون السعودية على العراق والتي لم تحل لحد الان.
لقد فرض الغرب حصارا اقتصاديا قاسيا على ايران من اجل اسقاطه من الداخل , ولكن قدرة القيادة الإيرانية جعلت ايران في حالة اكتفاء ذاتي من صناعة وزراعة , بل ان حسها بالمخاطر المحيطة بها في قادم الأيام , هو الذي ادخلها الى قطاع الدفاع العسكري , ونجحت فيه نجاحا باهرا, وخير دليل على ذلك هو مقاومتها المذهلة للمعتدين . هذا لم يسر الغرب ولابد لهم من خلق العراقيل في وجه التقدم الاقتصادي , فخلقوا قصة " القنبلة النووية". العرب اخذوا القصة بمحمل الجد واعتبروا ان هذه القنبلة ستفجر عليهم قبل ان تفجر في تل ابيب , ولهذا زاد ابتعاد العرب عن ايران مصدقة بالرواية الامريكية وليست الرواية الإيرانية والتي اكدت في كل مناسبة انها تستطع صناعة قنبلة ذرية ولكنها لا تريد تصنيعها , لأنها ضد توجهات مرشدهم السيد علي الخامنئي.
وهكذا خلق الغرب من دول منطقة الشرق الأوسط أعداء لإيران , بدلا من إسرائيل والتي لم تنكر لحد الان من امتلاكها عن 300 قنبلة ذرية . وعندما نشب القتال بين إسرائيل وايران في تموز عام 2025 , بدون خجل اصطف عرب المنطقة مع إسرائيل ضد ايران , واصبحوا مشاركين في صد الصواريخ الإيرانية الموجهة الى ايران . لقد خرج تصريح منهم , بانهم لا يسمحون لإيران بانتهاك سماءهم , ولكن بنفس الوقت سمحت لصواريخ إسرائيل التوجه الى ايران من خلال استخدام سماءهم . لقد نجح نتنياهو في هدفه في تغيير وجه الشرق الأوسط , وجعل من دول المنطقة تتراجع عن شعار " تحرير كامل التراب العربي" الى ان يقف مواطن من أبناء الخليج ان يدعوا الله " باحتلال إسرائيل ايران " واخر يقول ان العدو الحقيقي للعرب ليست إسرائيل وانما ايران. هذا وبنفس اليوم كان مسجد الأقصى مغلوقا والناس يصلون خارجه , وهناك عرب و مسلمين يقتلون على يد إسرائيل في لبنان وغزة والقطاع.
ولكن ما يقوله بعض أبناء الخليج لا يمثل ما تقوله الشعوب العربية , الحرب على ايران الهبت الشعور القومي والإنساني الى 99% من العرب نحو القضية الفلسطينية. وحتى لو خسرت ايران الحرب مع أمريكا وإسرائيل , فان التفاف العرب نحو قضية فلسطين ورفض الطامع والمحتل سيبقى خالدا . لقد خسر الحسين بن على الحرب مع يزيد بن معاوية قبل 1400 سنة , ولكن شعار الحسين بقى خالدا , وهو " هيهات منا الذلة".
على كل حال , الحرب الدائرة على ايران قد زادت الفجوة بين الشعوب العربية وقادتها. ففي الوقت الذي تتعاون بعض الدول العربية ( حسب ما اعلنه ترامب في عدد من المناسبات) مع ترامب في حربه على ايران وتصدر البيانات تلو الأخرى بالتنديد ب " الاعتداء الإيراني على اراضيهم" , فان شعوبهم قد وقفوا بجانب ايران ولو اقفلوا مخازن ذخيرتهم ولم يوجهوها نحو صدور شعوبهم , لتطوع اكثر من 100 مليون عربي للدفاع عنها.
دول منطقة الخليج أصبحت تصدر البيانات تلو الأخرى بالتنديد بالهجمات الإيرانية على بعض المواقع العسكرية فيها , ولكن لم تصدر بيانا بالتنديد بالهجمات الامريكية – الإسرائيلية على ايران , ولم تصدر بيانا تندد بقتل المرشد الإيراني وعائلته , وهي تعلم مقدار علو هذا المرشد عند مقلديه وهم بالملايين. دول المنطقة كان من لازم عليها ان تخبر الامريكان بحرمة استخدام أراضيها ضد أي دولة جارة لها , وان قبول القواعد الامريكية على أراضيها يعد اعلان حرب على ايران , الامر الذي اعطى الحق لإيران الدفاع عن نفسها , ومرغمة على ضرب القواعد الأجنبية عند جاراتها .

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر