الناقد الدكتور علاء العبادي ونص (تتزوجينني أيتها الجميلة)

بلقيس خالد
2026 / 4 / 21

بقلم الناقد الدكتور علاء العبادي.

الشاعرة بلقيس خالد تمتلك قدرة نادرة على المزج بين اليومي والمجازي بسلاسة.
"طيورٌ طائشة لا تعود إلى أفواهها: الكلمات" — هذه الجملة وحدها تكفي لأن تكون قصيدة قائمة بذاتها.
ليس الزمن في هذا النص مجرد رقم، بل كيان حيّ يضحك، ويسقط من الجيوب كعملة معدنية، ويمطر سنوات.
"بدأت الأرصفة تُنبت ساعات" و"الأشجار تعلّق عقارب الزمن بدل الثمار" — هذا خيال شعري استثنائي يخلق عالماً سريالياً حزيناً وجميلاً.
السؤال "تتزوجينني؟" من رجل عجوز للمتحدثة يمكن أن يكون مشحوناً أو غريباً، لكن الشاعرة تخلع عنه أي زيف، وتصوّره كتحدٍ إنساني خالص، كسؤال القلب قبل أن يعلّم العقل "التقاعد".
ولا يعطينا النص إجابة مباشرة، بل يترك الفتاة تهمس "لماذا قلتها؟"، ويترك العجوز يكرر السؤال نفسه. هذا التكرار ليس عجزاً، بل إصرار وجودي: أن يُقال الحلم ولو بلا أمل في تحقيقه.
النص يبدأ بـ"صباح الخير" وينتهي بجملة "تتزوجينني" تمشي وحدها في الزمن. إنها قصيدة عن الجمل التي تعيش أطول من قائليها.
باختصار، هذا النص يليق أن يُقرأ في أمسيات الشعر، وأن يُدرّس في ورش الكتابة الإبداعية كنموذج لكيف تحوّل تحية عابرة إلى مرثاة للحياة نفسها.

تتزوجينني أيتها الجميلة

بلقيس خالد

تتزوجينني أيتها الجميلة؟
قالها جاري العجوز..
رداً على تحيتي.

قالها..
وكأن العمر كله
انحنى ليجمع زهراً
تساقط من رداء الربيع.

كنتُ قد قلتُ فقط:
صباح الخير.

طيورٌ طائشة،
لا تعود إلى أفواهها:
الكلمات.

ابتسمَ..
وفي تجاعيد وجههِ
خرائط أنهار جفت من فرط الانتظار.
تتزوجينني أيتها الجميلة؟
كأنما يسألُ الشمس:
أن تتأخري قليلاً؟
يسألُ المرايا:
أن تكذب مرةً أخرى؟
يسألُ القلب:
أن يذكر طريق الدهشة؟
قالها..
فانفتح صندوقٌ قديم،
خرجت منه
رسائل حب لم تصل بعد،
وشابٌ يخرج من ثنايا التجاعيد..
يركض،
يحمل قلبهُ كمصباحٍ،
يحمل موسيقى، وغباراً، ورقصاً،
وقبلةً ضاعت في زحام الأيام.
خرج مقهى،
وطاولةٌ،
وقلبٌ ينبضُ بالانتظار.
رأيتُ قلبهُ:
بيتاً قديماً يضيءُ مصباح الشرفة كل ليلة.
ابتسمتُ لتلك الجرأةِ،
التي لا تزال تتمردُ على يباس الفصول.

جاري العجوز
لا يزال ينظرُ إليَّ،
قلتُ له:
صباح الخير.. مرةً أخرى.
فضحكَ الزمن،
وسقطت من جيبهِ عدةُ سنواتٍ..
تتزوجينني أيتها الجميلة؟
قالها..
كقاربٍ صغير يمضي فوق نهر الوقت،
حاملاً آخر حُلمٍ لرجلٍ..
لم يوافق قلبهُ على التقاعد.

اقتربتُ منهُ..
همستُ:
لماذا قلتها؟
أجابني بالكلمات ذاتها..
متوسلاً،
وعيناهُ تمطران السنوات بلا توقف،
حتى بدأت الأرصفة
تُنبتُ ساعاتٍ،
والأشجار
تعلّقُ عقارب الزمن بدل الثمار.

رفع وجههُ إلى السماء بتحدٍ،
ترك السنوات تساقط عليه:
سنةٌ تغسلُ صوته،
سنةٌ تمسحُ ذاكرته،
سنةٌ تعيد قلبه.. إلى مراعي الربيع.

ثم نظر إليَّ..
كمن يقفُ في منتصف قرن كامل،
وبهدوءٍ همس:
هل ترين؟
العمر مجرد غيمة..
أحياناً تمطر كثيراً،
وننسى..
أن نحمل مظلة الحلم.
في تلك اللحظة..
هدأ المطر،
توقفت السنوات عن السقوط،
وبقيت جملةٌ واحدةٌ
تمشي...،
نديةً ومضيئة:
تتزوجينني أيتها الجميلة؟
تمشي..
وتبحثُ عن..
زمنٍ لا يسقط.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن