نهاية عصر أوربان وصعود -القومي الناعم- ماديار

زياد الزبيدي
2026 / 4 / 20

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


20 نيسان أبريل 2026


في 12 نيسان/أبريل 2026، شهدت هنغاريا واحدة من أبرز التحولات السياسية في تاريخها المعاصر. مع مشاركة إنتخابية قياسية بلغت 80%، أطاح حزب "تيسا" بقيادة بيتر ماديار بحكم فيكتور أوربان الذي إستمر 16 عاماً متواصلة، محققاً أغلبية دستورية مريحة بلغت 138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان الهنغاري، مقابل 55 مقعداً فقط لحزب "فيديس". إعترف أوربان بالهزيمة بكلمات مؤثرة: «النتيجة واضحة ومؤلمة... لن نستسلم أبداً».
لم تكن هذه الإنتخابات مجرد تغيير حكومي عادي، بل نهاية حقبة سياسية كاملة شكّلت ملامح هنغاريا – ووسط أوروبا – لأكثر من عقد ونصف. من خلال تحليل ست مقالات نشرت بعيد ظهور النتائج، تبرز الصورة بوضوح: هزيمة أوربان لم تكن إنتصاراً ليبرالياً بروكسلياً خالصاً، بل نتيجة مزيج من الإرهاق الشعبي الداخلي، وخطأ إستراتيجي كارثي في الرهان الخارجي، مع صعود "قومي ناعم" براغماتي يجمع بين خطاب التجديد والحفاظ على المصالح الوطنية.

1. الإرهاق من "الإستقرار" الطويل: قانون كول-ميركل يطال أوربان

يُجمع التحليلات على أن السبب الأعمق كان الإرهاق من شخصية أوربان نفسه. يلخص أوليغ خافيتش في ريغنوم (13 أبريل 2026): «أصبح الإرهاق من شخصية أوربان نفسه العامل الأساسي».
ويؤكد فيدور لوكيانوف (رئيس تحرير "روسيا في السياسة العالمية"، 12 أبريل): «16 عاماً متواصلة في السلطة (و20 عاماً إجمالياً) – أمر غير معتاد في وسط وشرق أوروبا. نفسياً، تصبح نفس الوجوه مملة، مهما كانت النتائج التي حققتها».
يُطلق خافيتش على هذه الظاهرة "قانون كول-ميركل" الذي صاغه فلاديمير بوتين عام 2000. ويقصد به أن حتى أنجح الحكام في دول الإتحاد الأوروبي يجدون صعوبة في البقاء في السلطة أكثر من 16 عاماً، كما حدث مع هلموت كول الذي هُزم عام 1998، وأنجيلا ميركل التي قررت عدم الترشح لولاية خامسة وإنسحبت تدريجياً حتى إنتخابات 2021، ويبدو أن فيكتور أوربان قد إنضم إلى هذه القائمة اليوم.

2. صعود بيتر ماديار: من فضيحة 2024 إلى "القومي الناعم"

كان شباط فبراير 2024 نقطة التحول الحاسمة، حين تورطت الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل يوديت فارغا في فضيحة عفو عن متورط في إخفاء إعتداءات جنسية على أطفال. خرج زوج فارغا السابق بيتر ماديار من "فيديس" ليصبح قائداً للإحتجاجات، ثم قاد حزب "تيسا" الصغير إلى إنتصارات متتالية.
يصفه ديمتري مينين (مؤسسة الثقافة الإستراتيجية، 13 أبريل) بأنه "قومي ناعم" ينتمي إلى النخب الهنغارية التقليدية، يركز على مكافحة الفساد والدفاع عن المصالح الوطنية دون الإستسلام الكامل لإملاءات بروكسل. أما فلاديمير كورنيلوف فيراه "شعبويا بروكسلياً" أكثر منه أوروبياً حقيقياً، مشيراً إلى أن أوربان كان يمثل "أوروبا القوية ذات السيادة" التي يكرهها الجهاز البيروقراطي في بروكسل.
نجح ماديار في قلب شعار "بلدي أولاً" ضد أوربان: بينما ركز الأخير على المواجهة الدولية، قدم ماديار التطبيع مع أوروبا كوسيلة لتحسين الحياة اليومية (الأسعار، المدارس، المستشفيات، الطرق).

3. "الدعم الأمريكي الذي تحول إلى عبء"

كان الرهان الخارجي الخطأ الأكبر. ركز أوربان حملته على تصوير كييف كعدو، ثم جاء الدعم الأمريكي الثقيل في الأيام الأخيرة عبر زيارة نائب الرئيس جاي دي فانس ومكالمة ترامب الشهيرة.
يصف خافيتش هذا الدعم بأنه تحول إلى "خدمة تؤذي صاحبها". يوضح ديمتري مينين: «ما كان يُعتبر أكبر ميزة لأوربان – الدعم الأمريكي غير المشروط – تحول خلال أشهر قليلة إلى عبء ثقيل».
ويضيف كورنيلوف: «مغامرة ترامب المجنونة في إيران سحبت إلى الأسفل تصنيفات كل الأحزاب الأوروبية المرتبطة بـMAGA».
أدى هذا الإقتراب من واشنطن إلى نفور الناخبين الذين رأوا في أوربان "الوكيل الأمريكي" في لحظة يرفضون فيها التورط في حروب خارجية.

4. العلاقات مع أوكرانيا: إنتصار "مرّ-حلو" لزيلينسكي

يُبرز أوليغ تساريوف الواقع المعقد بوضوح. رغم تهنئة زيلينسكي الفورية، فإن ماديار:
- لم يعد بإزالة الفيتو على قرض الـ90 مليار يورو لأوكرانيا، ومن المرجح إستخدامهُ كورقة تفاوض لفك تجميد 17 مليار يورو لهنغاريا.
- معارض صريح للمساعدة العسكرية لكييف.
- يرى إنضمام أوكرانيا إلى الإتحاد الأوروبي "غير واقعي في العقود القادمة"، ووعد بإجراء إستفتاء عام حوله.
- يعتبر إنضمامها إلى الناتو "تهديداً بإندلاع حرب عالمية ثالثة".
- يصر على حقوق الأقلية الهنغارية في زاكارباتيا، ويربط أي تنازل بإستعادتها.
- يرفض التضحية بالأمن الطاقي الهنغاري (92% من النفط و74% من الغاز من روسيا).
يخلص تساريوف: «ماديار ليس حليفاً لأوكرانيا... لن يكون الأمر سهلاً على زيلينسكي».

خاتمة: درس تاريخي في حدود السلطة الطويلة والبراغماتية الوطنية

في النهاية، لم تكن إنتخابات أبريل 2026 ثورة ليبرالية، بل تعبيراً عميقاً عن رغبة الشعب الهنغاري في التجديد داخل إطار قومي براغماتي. تحول الدعم الأمريكي إلى سبب هزيمة، والتركيز المفرط على الخارج إنقلب ضد أوربان، بينما إستطاع ماديار أن يقدم نفسه كبديل واقعي يجمع بين مكافحة الفساد والإنفتاح النسبي على بروكسل دون التخلي عن السيادة الوطنية.
كما يلخص فلاديمير كورنيلوف بقسوة: «في هنغاريا خسرت أوروبا (أوروبا السيادية التي كان يمثلها أوربان)، وفازت المفوضية الأوروبية». لكن الواقع أعمق: "القومي الناعم" بيتر ماديار قد يصطدم مع بروكسل بعد فترة قصيرة.
بهذا، أنهى "قانون كول-ميركل" حقبة أوربان الطويلة، لكنه لم ينهِ الجوهر الهنغاري التقليدي: الدفاع البراغماتي عن المصالح الوطنية بين الشرق والغرب. السنوات القادمة ستكشف ما إذا كان بيتر ماديار قادراً على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، أم أنه سيواجه مصير من سبقوه.
أما فيكتور أوربان، فقد وعد أنصاره بأن "العمل سيبدأ من جديد" بعد شفاء الجراح. صفحة تاريخية طويلة إنطوت، وأخرى جديدة فُتحت... لكن روح هنغاريا السيادية تبدو باقية، وإن تغيرت أدواتها.

*****

المصادر والمراجع:

1. خافيتش، أوليغ. «خدمة الدبية: الفشل الأمريكي في إيران حال دون فوز أوربان». ريغنوم، 13 أبريل 2026.
2. كوليكوفا، أناستاسيا. «الهنغاريون فضلوا على أوربان «القومي الناعم»». فزغلياد، 13 أبريل 2026.
3. لوكيانوف، فيدور. «رحيل أوربان لن يحل المشكلات الجيوسياسية لهنغاريا». 12 أبريل 2026.
4. مينين، ديمتري. «المدفعية الأمريكية الثقيلة في هنغاريا أطلقت النار على نفسها». مؤسسة الثقافة الإستراتيجية، 13 أبريل 2026.
5. كورنيلوف، فلاديمير. «نتائج الانتخابات في هنغاريا: أوروبا خسرت والمفوضية الأوروبية فازت». RT، 13 أبريل 2026.
6. تساريوف، أوليغ. «90 مليار يورو: هل ستحصل أوكرانيا عليها بعد فوز ماديار في هنغاريا؟». RT، 13 أبريل 2026.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي