تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 5

خالد محمد جوشن
2026 / 4 / 19

الفصل الخامس
الحب فى باريس وفى ليفربول
باريس فى 25 يونيو سنة 1929
صديقي ن .... شاب جميل الوجه طيب القلب سليم الذوق عرفته لأول مرة في القاهرة في صيف سنة ١٩٢٥ وقد فرقتنا الأيام بعد ذلك، فذهب إلى ليفربول، وبقيت أنا موزع الجهد مقسم القلب بين القاهرة وباريس.
وفي هذا اليوم صادفته هائما في حديقة الكسمبور، فتعانقنا وتبادلنا أطيب التحيات وسألته وسألني عما لقي وما لقيت، ودعوته إلى لحظة تقضيها في قهوة داركور أمام السوريون
جلسنا وتحدثنا، وشربنا.
لكني لاحظت أن صديق سنة ١٩٢٥ غير صديق سنة ١٩٢٩، فقد كان الصديق الأول في سذاجة، وطهارة، ونبل، وإخلاص أما الصديق الثاني فهو إنسان مداور ماكر خبيث محتال لا تصل إلى قلبه إلا عن طريق النفاق .

ابتدا فلعن باريس وأهل باريس ومحبي باريس فقلت: استان من فضلك فأجاب العفو يا بيها
باريس في رأيه مدينة دعارة وفسق ومجون وشهوات، وليس فيها على حد تعبيره إلا فاسق أو ختال، وقد انطلق كالقذيفة يصف الفرنسيين بأشنع ما حوت القواميس من قبيح الصفات والنعوت، ثم اندفع يقابل بين الأخلاق الإنجليزية والأخلاق الفرنسية فكان الإنجليز في رأيه ملائكة، وكان الفرنسيون شياطين. هنالك ابتسمت وقلت: الآن يا صديقي اطمأننت عليك
فقال وكيف ؟
قلت: كنت في شك من أمرك، فقد كنت أخشى أن تعيش في بلاد الإنجليز بدون فائدة، كما هو حظ كثير من أعضاء البعثات المصرية، أما الآن فقد عرفت أنك استفدت! قال: هذا غريب. أنت لم تختبرني حتى تعرف إلى أي حد وصلت ..
قلت: بلى، قد اختبرتك، وإن لم أوجه إليك سؤالاً ، ولم أسمع منك جوابًا، فإن حملتك الشعواء على الأخلاق الفرنسية تدل أوضح دلالة على أنك أشربت أخلاق الإنجليز وسجاياهم. وقد علمتني التجارب التي كوت يدي، وأشاطت دمي، وأيأستني من صفاء الطبيعة البشرية، وأقنعتني بأن الإنسان حيوان لئيم، علمتني تلك التجارب أن أجهر الناس صوتا في الدفاع عن الفضيلة هم المنافقون وأنت يا صديقي تتأفف من هواء باريس، وتعلن أن جوها مشبع بأوزار الغواية والفسوق، وفي هذا دليل على أنك أصبحت إنجليزيا صميما، ونحن نرسل أبناءنا إلى إنجلترا ليتخلقوا بالأخلاق الإنجليزية، فلم تضع إذن الدنانير اليومية التي أنفقت عليك، فالطالب البعثة في كل يوم دينار، كأنه ابن الملك في أساطير الأولين
قال الصديق، وعلى وجهه بوادر الألم والغيظ أوضح فأني لا أدرك تماما أي هدف ترمي، ولا أي وجه تريد .
قلت: يجب أن تعلم أن الإنجليز أقدم الناس عهدًا بالنفاق. وأنا لا أتكلم عنهم من الوجهة السياسية، فقد يكونون في السياسة صرحاء إنما أتكلم عن أخلاق الإنجليز يعملون كل شيء، ويكتمون كل شيء، يقترفون أشنع المنكرات، ويظهرون دائما سيماء الطهر والعفاف والويل كل الويل لمن يفتضح أمره بينهم، فإنه لا محالة مطرود منبوذ .
وهم في هذا يعملون كما كان يعمل الإسبرطيون قديمًا، فقد كانوا يعاقبون السارق لا لأنه سرق، ولكن لأنه لم يعرف كيف يخفي السرقة ويمشي في ثياب الأبرياء.
قال الصديق هل عاشرتهم يا سيدي حتى تحكم عليهم هذا الحكم ؟
قلت: عاشرتهم قليلا، ولكني قرأت أكثر ما نقل من مؤلفاتهم إلى الفرنسية واقتنعت كما اقتنع كثير من أحرارهم ومفكريهم بأن الحواضر الإنجليزية أوكار خبث ورياء وأن لندن بوجه خاص تضم إلى جنباتها أخطر ما عُرف من أساليب الإثم المستور.
وانت يا صديقي تمثل نفس الدور اصدق تمثيل، فانت تركت ليفربول لتقضي إجازتك في باريس، والشيطان يعلم لم جئت باريس، ونصيحتي لك أن تعيش في فرنسا بنفس فرنسية لا إنجليزية، فالفرنسيون تضيق صدورهم بالنفاق، ويحتقرون المنافقين


وهم حين يحبون يحبون في صراحة، وحين يبغضون يبغضون في وضوح، وقليل منهم من يحسن المداورة ويميل إلى التضليل .
لكن صديقي لم تغنه هذه الخطبة، واستمر يقبح الأخلاق الفرنسية، ويمجد فى الاخلاق الانجليزية ، وكيف السبيل إلى هدايته ؟
آه لقد اهتديت إلى الحل
فما هو ؟
كأس من بيكون فإن لم تغن الكأس الأولى فكأس ثانية وثالثة حتى تصفو نفسه، ويخلو رأسه من عقارب النفاق، ويعود طفلا محبوبا كعهدي به لا يشاري ولا يماري ولا يكذب ولا يمين
یا غلام هات كأسا من بيكون
جاءت الكأس مترعة، ونظر إليها الصديق نظرة جزلة، ثم شربها فتقطبت لها أسارير وجهه، وتطلقت أسرار قلبه، ودعوت بكأس ثانية فكاد من طرب يهيم، وخلته ينشد وهو نشوان
جمعت بالكأس شملي
الله يجمع شملك
بحق رأسك دعنى
حتى أقبل نعلك
وعدنا نتكلم عن باريس وصراحة الباريسيين، فقال: انا الآن معك، فباريس هي المدينة الوحيدة التي يعيش فيها المرء على فطرته، يحب ما يحب ويبغض ما يبغض في صراحة وجلاء، وأنا معك أيضًا في أن الإنجليز منافقون، ولكني أحب أن تعلم أنهم ليسوا جميعا سوا
قلت: كيف ؟
قال: نحن نعيش في ليفربول، والحرية فيها تكاد تكون تامة، ويكفي في بيان ذلك
أن أقص عليك النادرة الآتية :
قامت في الجامعة مناظرة موضوعها: «أيهما أحب إليك أن تكون أحببت مرة وأخفقت، أو أن تكون خلي القلب من نعيم الحب وعذابه "؟»
وقد أعطى الطلبة لأنفسهم مذاهب من الآراء لا حد لها في المفاضلة بين الوجهتين ثم قام في الختام مدير الجامعة وقال: تتكلمون عن الحب؟ هذا جميل ولكني أرزواجا يتهادون التحيات والقبلات في خفر وحياء، وكنت أتعامى حتى لا أفرق بين حبيبين يتناجيان. أما اليوم فقد عدت أمشى في أرجاء الجامعة بخطا مسروقة ولا تقع عيني على محب ولا محبوب .
أيها السادة الحب في خطر ! أنقذوا سمعة الجامعة!
قص صديقي هذا الحديث، ثم نظر فرآني أفكر، فقال: ما خطبك؟ قلت لا شيء! لقد تذكرت أن هذه المناظرة ألقيت هذه السنة في الجامعة المصرية، فمن المحتم أن يكون اقترحها أحد الأساتذة الإنجليز، ومن المرجح أن يكون قد استقدم من ليفربول فنحن نأخذ بقاياكم في العلم والحب، لو تعلمون .

وعند هذا الحد كانت صفت نفس الصديق، وتحلّل حقده المزعوم نحو باريس وسألني عن بعض الناس في مصر، فقلت: إنهم بخير، ولا عيب فيهم إلا أنهم إنجليز أو أشباه الإنجليز، وإنك تعلم ماذا أريد .
ملاحظة اولى
انتهى الفصل الخامس من زكريات باريس والتى انتهى فيها الكاتب الى قناعته بان الانجليز منافقون / ووالله ما كذب دكتور زكى مبارك .
ملاحظة ثانية
دخلت على الشات جى بى تى لاعرف ماهو بيكون فقال :
هو مشروب كحولى مر ولونه كرامل ، ابتكره غايتان يصنع من البرتقال المجفف والكينا .
والى الفصل السادس فى مقال قادم

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن