|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 4 / 18
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
19 نيسان/أبريل 2026
لم يحتج الأمر إلى صاروخ يُطلق، ولا إلى سفينة تُغرق. ثلاثون دقيقة فقط—وإنذار عبر جهاز لاسلكي—كانت كافية لتضع العالم على حافة مواجهة بحرية قد تغيّر شكل سوق الطاقة والخرائط السياسية معًا. “إذا لم تغيّروا مساركم… ستصبحون هدفًا”، هكذا خاطب ضابط في الحرس الثوري سفينة حربية أمريكية في قلب مضيق هرمز. لم يكن ذلك تهديدًا نظريًا، بل لحظة مكثفة تكشف حقيقة ما يجري: العالم لا يقف على حافة حرب شاملة… بل على حافة خطأ صغير. في الخلفية، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن شيئًا أكبر بكثير: “تبدأ البحرية الأمريكية عملية فرض حصار على جميع السفن التي تحاول دخول أو مغادرة مضيق هرمز”.
بين هذين المشهدين—تصريح سياسي واسع، وإنذار ميداني ضيق—تتشكل أخطر معادلة في الخليج منذ عقود.
رواية القوة… ورواية الشك
واشنطن تتحدث بلغة الحسم. ترامب لم يكتفِ بالتهديد، بل أعلن أن بلاده لن تسمح لإيران بـ“جنيك أرباح من هذا الإبتزاز غير القانوني”، مؤكدًا أن السفن التي تدفع رسومًا لطهران “لن تكون قادرة على التحرك بأمان”. لكن على الأرض، تبدو الصورة أقل وضوحًا.
تقرير The Wall Street Journal يكشف فجوة لافتة بين الخطاب والواقع، إذ يشير إلى أن “أكثر من 60% من الزوارق الهجومية السريعة التابعة للحرس الثوري ما تزال في الخدمة”، ما يعزز قدرة إيران على فرض حضورها في المضيق.
الأهم من ذلك، أن هذه المعطيات “تشكك في الرواية الأمريكية التي تحدثت عن تدمير البحرية الإيرانية بالكامل”. هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام إستعراض قوة… أم أمام سوء تقدير إستراتيجي؟
ثلاثون دقيقة تختصر كل شيء
حادثة المدمرتين الأمريكيتين ليست تفصيلًا عابرًا، بل نموذج مصغّر لما يمكن أن يحدث. وفق الرواية الإيرانية، تم توجيه إنذار مباشر: “هذا آخر تحذير… إذا لم تغيّروا المسار سأفتح النار”. وفي رسالة مفتوحة للسفن في المنطقة: “إبتعدوا مسافة 10 أميال… لأنني على وشك إطلاق النار”.
الرواية الأمريكية، من جهتها، تحدثت عن عبور قانوني وعمليات لإزالة الألغام، مؤكدة أن السفن “لا تتحدى إيران”. لكن حتى مع تضارب الروايات، تبقى الحقيقة الأهم: الإشتباك كان على بعد قرار واحد.
لماذا قد يخدم الحصار إيران؟
في الحسابات التقليدية، يبدو أن إغلاق المضيق سيخنق إيران إقتصاديًا. لكن التحليل الأعمق—كما يطرحه خبراء—يقلب هذه الفرضية.
يقول أحد المحللين إن “إيران تمتلك هامش صمود أكبر بكثير مما يُعتقد”، مضيفًا أن الحصار “لن يجعل طهران أكثر إستعدادًا لتقديم تنازلات”. بل على العكس، فإن طول الأزمة قد يعمل لصالحها.
فكل يوم إضطراب في المضيق يعني: نقصًا في الإمدادات، إرتفاعًا في الأسعار، وضغطًا داخليًا على خصومها. كما يشير تحليل آخر إلى أن “إرتفاع أسعار الوقود سيؤثر على المستهلك الأمريكي نفسه، ما ينعكس سلبًا على شعبية الإدارة الأمريكية”.
الزوارق الصغيرة… التي لا تُدمَّر
العنصر الأكثر إزعاجًا في هذه المعادلة ليس حاملات الطائرات، بل الزوارق الصغيرة. تقرير وول ستريت جورنال يوضح أن هذه الزوارق—التي بقيت بنسبة كبيرة في الخدمة—تشكل العمود الفقري لإستراتيجية إيران البحرية. هي سريعة، يصعب إستهدافها، وتعمل في أسراب. وفي ممر ضيق مثل هرمز، تتحول إلى أداة سيطرة فعلية. وهذا ما يجعل إعلان “تدمير البحرية الإيرانية بالكامل” أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى واقع ميداني.
من يضغط على من؟
الهدف الأمريكي واضح: خنق إيران إقتصاديًا.
لكن النتيجة المحتملة أكثر تعقيدًا. إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق رسميًا. يكفي أن تزرع الشك.
كما قال ترامب نفسه، ساخرًا من الموقف الإيراني: “قالوا: ربما هناك لغم… لا أحد يعرف عنه شيئًا سوى هم”. هذه الجملة، التي قُدمت كإتهام، تكشف جوهر الإستراتيجية الإيرانية: خلق بيئة لا يمكن التنبؤ بها.
لحظة ما قبل الإنفجار
المشكلة ليست في الحرب… بل في الإقتراب المستمر منها. سفن تتحرك، إنذارات تُطلق، أسعار ترتفع، وروايات تتضارب. وفي كل مرة، يتراجع الجميع خطوة قبل الهاوية. لكن السؤال لم يعد إن كانت المواجهة ستحدث، بل: كم مرة يمكن تفاديها قبل أن يقع الخطأ؟
الخلاصة: من يسيطر على هرمز؟
في مضيق هرمز، لا تعني السيطرة رفع علم أو إعلان حصار. بل تعني القدرة على جعل الخصم يفكر مرتين قبل أن يتحرك.
واشنطن تملك القوة، لكن طهران تملك القدرة على جعل هذه القوة مكلفة الإستخدام.
وبين الاثنين، يتحول المضيق إلى أخطر نقطة في العالم: مكان لا تُحسم فيه الحروب… بل يُختبر فيه من يستطيع العيش على حافتها.
*****
المصادر والمراجع
1) رافائيل فاخروتدينوف،
"الحصار الأمريكي لمضيق هرمز قد يعمل لصالح إيران"، صحيفة فزغلياد الاكترونية، 12 أبريل/نيسان 2026.
2) "منحوا 30 دقيقة للمغادرة: مدمرات أمريكية كادت تُدمَّر أثناء عبورها مضيق هرمز"، موقع تلفزيون تساريغراد، نقلًا عن Press TV، مع الإشارة إلى معطيات من CENTCOM، 2026
3) "الحرس الثوري يحتفظ بمعظم زوارقه العسكرية ويعزز حضوره في مضيق هرمز"،
The Wall Street Journal،
12 أبريل/نيسان 2026.