وهم -الاتفاق التاريخي- مع لبنان

جهاد حمدان
2026 / 4 / 17

​يطل رئيس وزراء حكومة الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، متحدثاً عن فرصة للتوصل إلى "اتفاق تاريخي" مع لبنان. في قراءة متأنية لحقائق التاريخ ومعطيات الحاضر، ندرك أن الجوهر في أي مسار تفاوضي ليس في القدرة على صياغة اتفاق وتوقيعه، بل في الإجابة عن السؤال المحوري: هل يمتلك هذا الاتفاق مقومات الصمود والبقاء؟
​تأتي المباحثات المرتقبة في واشنطن بين الحكومتين اللبنانية والصهيونية في سياق بالغ التعقيد؛ فهي تنعقد على وقع دمار هائل ألحقته آلة الحرب الصهيونية بقرى وبلدات الجنوب اللبناني، واستهدافها الممنهج للجسور على نهر الليطاني، فضلاً عن التدمير الواسع الذي طال الضاحية الجنوبية ومناطق واسعة في البقاع وأجزاء حيوية من البنية التحتية، وما رافق ذلك من سقوط آلاف الشهداء والجرحى، وأزيد من مليون من النازحين الذين فقدوا منازلهم. ورغم هذه الفاتورة الدموية والمادية الباهظة، نهضت المقاومة بموقف أبيّ وعصيّ على الانكسار، وردت بضربات موجعة أثبتت من خلالها أن خيار الاستسلام غير وارد إطلاقاً.
​ولاستشراف مآلات المشهد الراهن، لا بد من العودة إلى محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. في ظروف قد تبدو في ظاهرها أقل تعقيداً من المشهد الإقليمي اليوم، وقّع الرئيس الأسبق أمين الجميل اتفاق 17 أيار 1983. كان ذلك الاتفاق، الذي سعى شقيقه بشير الجميل للتأسيس له وتمريره قبل أن يدفع حياته ثمناً واغتيالاً لمحاولته الفاشلة، اتفاقاً مذلاً انتقص من سيادة لبنان وقراره المستقل.
​نصّ الاتفاق حينها على إنهاء حالة الحرب بشروط إسرائيلية خالصة، وفرض ترتيبات أمنية مقيدة في الجنوب. ولكن، ما لبث أن سقط الاتفاق تحت وطأة الرفض الشعبي والسياسي وضربات المقاومة الناشئة آنذاك. وهنا تقتضي الأمانة التاريخية الإشارة إلى أنه، وخلافاً لشقيقه بشير الذي اغتيل، نجا أمين الجميل بحياته، لكنه واجه حصاراً سياسياً وعسكرياً خانقاً مع انتفاضة 6 شباط وانقسام الجيش، مما اضطره صاغراً في النهاية إلى الرضوخ لإرادة الداخل وإلغاء الاتفاق رسمياً في آذار 1984، ليُطوى كأنه لم يكن.
​اليوم، تختلف الظروف جذرياً. إن أية محاولة لفرض اتفاق أو تسوية تأتي بعد فشل ذريع للعدوان الأمريكي-الصهيوني في تحقيق أهدافه الاستراتيجية. فبعد أربعين يوماً من القتال الضاري، صمدت إيران ووجهت ضربات أوقعت خسائر جسيمة بدولة الكيان، مما وضع الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي اضطرها للجوء إلى وساطة باكستانية سعياً لوقف إطلاق النار. وفي ظل مكابرة نتنياهو واستمراره المؤقت في العدوان على لبنان لمحاولة تحسين شروط التفاوض، عاد ترامب محاولاً ممارسة أقصى درجات الضغط من خلال تحريك قطعه البحرية لمحاصرة مضيق هرمز.
​إلا أن الرياح لم تجرِ كما تشتهي السفن الأمريكية؛ فشل الحصار، ووجد ترامب نفسه مضطراً لتقديم تنازل جوهري، تمثل في إعلان وقف إطلاق النار في لبنان ابتداءً من اليوم، السادس عشر من نيسان، ولمدة عشرة أيام، كعربون حسن نية وخطوة تمهيدية لصفقة أوسع مع إيران.
​أمام هذه المعطيات المتسارعة، يبرز التساؤل الحاسم: هل توفر هذه الهدنة المؤقتة فرصة لفرض اتفاق مذل جديد على لبنان على غرار 17 أيار؟ أم أن موازين القوى الميدانية والإقليمية تفتح آفاقاً لاتفاق من نوع مختلف تماماً؟
​إن الوقائع تشير بوضوح إلى أن عصر الإملاءات قد ولى. فالتاريخ يعلمنا أن الحبر الذي يُكتب به أي اتفاق لا قيمة له إن لم يكن مستنداً إلى موازين قوى تحميه. فأي اتفاق لن يُكتب له أن يُوقع، فما بالك أن يستمر، إذا لم ينص صراحة على الانسحاب غير المشروط لجيش الاحتلال من الجنوب وتعويض لبنان عن خسائره بما في ذلك إعادة بناء البنية التحتية والقرى والبلدات المدمرة. وهذا لا يمكن أن تنجزه حكومة ترفع راية بيضاء، ولا تمثل المكونات اللبنانية تمثيلاً عادلاً حسب وزنها ودورها في الدفاع عن لبنان وحمايته.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر