حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم

رانية مرجية
2026 / 4 / 16

ليس التزييف، في جوهره، كذبةً صريحة بقدر ما هو براعة في إعادة ترتيب الحقيقة حتى تفقد ملامحها الأولى. إننا لا نعيش زمنًا تُخفى فيه الوقائع، بل زمنًا تُغرق فيه في وفرةٍ مُربكة من السرديات، بحيث يصبح الوصول إلى المعنى فعلًا شاقًا، يتطلب بصيرة لا مجرد بصر. وهنا تتجلى مأساة اللحظة: فالتاريخ لم يعد يُكتب بعد انقضاء الأحداث، بل يُصاغ في لحظته، تحت ضغط السرعة، وسط ضجيج التأويل، وداخل بنية إعلامية لا تنقل الحدث فحسب، بل تعيد تشكيله.

في هذا المشهد، يغدو المثقف كائنًا يقظًا، لا لأنه يمتلك الحقيقة، بل لأنه يشعر بخطر ضياعها. إن مسؤوليته لا تكمن في ادّعاء امتلاك الرواية الصحيحة، بل في مقاومة الرواية السهلة. فالتزييف لا ينتصر بقوته، بل بكسل من يملكون القدرة على مساءلته. ومن هنا، فإن الكتابة ليست ترفًا فكريًا، بل فعل أخلاقي، وموقف وجودي، ومحاولة دائمة لإنقاذ المعنى من أن يتحول إلى مادة استهلاكية عابرة.

إن المثقف لا يكتب بوصفه مؤرخًا، بل بوصفه شاهدًا واعيًا بانحيازات الذاكرة. فالشهادة ليست نقلًا محايدًا، بل إعادة بناء للحدث من زاوية إنسانية، تُنصف ما يتم إقصاؤه، وتُضيء ما يُراد له أن يبقى في العتمة. وهنا، تتقاطع الكتابة مع الوعي، ليشكّلا معًا ما يمكن تسميته “ضمير النص”، ذلك الصوت الداخلي الذي يرفض التبسيط، ويُصرّ على التعقيد بوصفه شكلًا من أشكال العدالة.

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس في تزوير الوقائع الكبرى فحسب، بل في تطبيع الزيف اليومي، ذلك الذي يتسلل عبر اللغة، عبر العناوين، وعبر الصور المنتقاة بعناية لتصنع انطباعًا لا علاقة له بالحقيقة. وهنا، تصبح اللغة نفسها ساحة مواجهة: فإما أن تكون أداة تزييف ناعم، أو أداة كشف حاد. وعلى المثقف أن يختار موقعه بوعي.

في هذا السياق، لا يكفي الوعي النظري وحده، بل يتطلب الأمر ممارسة يومية لفعل التوثيق. في مقاله، في ملاحظاته، في شهادته الصغيرة التي قد تبدو هامشية اليوم، لكنها غدًا قد تكون خيطًا يُنقذ الحقيقة من الضياع. إن التفاصيل التي لا تلتفت إليها السرديات الكبرى، هي ذاتها التي تُشكّل لاحقًا جوهر الذاكرة الحقيقية.

ولعل استحضار نماذج مضيئة من تاريخ الفكر والكتابة، يُعيد التذكير بأن مقاومة التزييف ممكنة. حين كتب عبد الرحمن الكواكبي عن الاستبداد، لم يكن يوثّق واقعًا فحسب، بل كان يفضح آلية تحويل القمع إلى نظام مقبول. وحين قدّم إدوارد سعيد قراءته النقدية للسرديات الغربية، كشف كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى أداة هيمنة. أما حنة آرندت، فقد نبّهت إلى أن الخطر لا يكمن دائمًا في الشر الصريح، بل في ذلك الذي يُمارس ببرود، دون تفكير.

وفي الأدب، تتجلى هذه المسؤولية بوضوح آخر. فقد جعل غسان كنفاني من السرد مساحةً لحفظ الذاكرة من التلاشي، بينما حوّل محمود درويش الكلمة إلى شكل من أشكال البقاء، حيث يصبح الشعر توثيقًا موازياً للتاريخ، لا يقل صدقًا عنه، وإن اختلفت أدواته. وحتى في كتابات ألبير كامو، نلمس كيف يمكن للإنسان أن يتمسك بالمعنى في عالمٍ يهدده العبث.

هذه النماذج لا تُقدَّم بوصفها قوالب جاهزة، بل بوصفها إشارات إلى أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى إلى تفكيك آلياته، وإعادة طرحه على نحوٍ يُعيد للإنسان مكانته داخل السرد. فالمسؤولية هنا ليست في “حماية الحقيقة” ككيانٍ ثابت، بل في حمايتها من الاختزال، من الاستهلاك، ومن أن تتحول إلى شعارٍ يُردَّد بدل أن تُفهم.

إن إعادة قراءة التاريخ، في هذا الإطار، ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة أخلاقية. فالتاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما كُتب عن ما حدث. وبين الحدث وكتابته، مسافةٌ تتسلل فيها الانحيازات، تُضيف وتحذف، تُبرز وتُهمّش. والمثقف، إن لم يكن واعيًا بهذه المسافة، سقط – دون أن يدري – في إعادة إنتاج الزيف الذي يسعى إلى مقاومته.

في النهاية، قد لا يستطيع المثقف أن يوقف سيل التزييف، لكنه قادر على أن يترك أثرًا يُقاومه. أن يكتب نصًا يُقلق السكون، ويُعيد الاعتبار للأسئلة التي تُحرج اليقين. فالتاريخ الذي سيقرأه الأبناء، لن يكون فقط ما كُتب في الوثائق الرسمية، بل ما نجا من الضياع في نصوصٍ كُتبت بوعيٍ حيّ، وبإصرارٍ على أن الحقيقة، مهما كانت هشّة، تستحق أن تُروى.

ذلك هو رهان المثقف: انه ضميرا لا يهدأ، وصوتًا لا يُطمئن، وكتابةً تُبقي المعنى حيًّا، حتى في أكثر الأزمنة ظلم

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي