عالم يتمرّد: أمثلة غير مسبوقة على تراجع الهيمنة الأمريكية في ظل الإدارة الحالية

جهاد حمدان
2026 / 4 / 16

لعقود طويلة، اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية هندسة النظام العالمي وتوجيه دفة السياسة الدولية عبر مزيج من القوة الاقتصادية، والنفوذ الدبلوماسي، والردع العسكري. إلا أن المشهد الجيوسياسي في ظل الإدارة الأمريكية الحالية يشهد تحولات جذرية؛ حيث باتت سياسة "الضغط الأقصى" والتعامل مع الدول بمنطق "الصفقات التجارية" تُنتج تمرداً عالمياً، وتُعجّل ببروز عصر "ما بعد الهيمنة الأمريكية".
​ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو أن بوادر التمرد على الأحادية القطبية لواشنطن تعدت الخصوم لتشمل الأصدقاء والحلفاء، في تحول هيكلي مفتوح لم تشهده أمريكا في عهد إدارات سابقة. وفيما يلي أمثلة لا تخطئها عدسة المراقب السياسي تؤشر على هذا التراجع:
𔁯. تفكك "التحالفات العمياء" ورفض الإملاءات العسكرية
​لفهم عمق التراجع في الهيمنة الأمريكية، يكفي إجراء مقارنة سريعة بين مشهدين سياسيين يفصل بينهما عامان فقط. فبعد السابع من أكتوبر، وانطلاق "طوفان الأقصى"، هبت عواصم القرار الأوروبي (لندن، باريس، برلين، وروما) في اصطفاف آلي وسريع لتقديم غطاء سياسي وعسكري للعدوان الإسرائيلي على غزة، استجابة لتوجهات واشنطن.
​لكن المشهد اليوم، ومع مساعي واشنطن لجر الحلفاء إلى مواجهة أو تصعيد ضد إيران، يبدو مغايراً تماماً. لم يشهد العالم هبة مماثلة لدعم التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد طهران. فقد أدركت العواصم الأوروبية الحليفة أن الانخراط في حرب إقليمية واسعة تلبية لرغبات الإدارة الحالية هو انتحار سياسي واقتصادي. هذا العزوف يمثل إعلاناً صريحاً بوفاة حقبة "الإملاءات"، حيث لم تعد واشنطن قادرة على حشد أصدقائها وتوقع التنفيذ الأعمى.
𔁰. تنويع الشراكات: حتى "الأقربون" يبتعدون عن المظلة الأمريكية
​لم يعد "تنويع الشراكات" مجرد خيار لدول العالم الثالث، بل أصبح استراتيجية بقاء حتى لأقرب حلفاء واشنطن، الذين بدأوا يرفضون سياسة "فك الارتباط" التي تحاول الإدارة الأمريكية فرضها لقطع الروابط الاقتصادية والتكنولوجية وتفكيك سلاسل الإمداد مع الصين:
​كندا والموازنة الصعبة: رغم الروابط التاريخية والجغرافية والأمنية الوثيقة بواشنطن، نجد كندا تسعى بوضوح للحفاظ على قنوات اقتصادية وشراكات مستقرة مع بكين، رافضة التضحية بمصالحها التجارية بالكامل لخدمة الحروب التجارية الأمريكية.
​بريطانيا ونهج ستارمر: لعل المثال الصارخ على هذا التحول هو بريطانيا؛ فبينما تضغط واشنطن لعزل الصين، قاد رئيس الوزراء "كير ستارمر" وفداً رفيعاً وكبيراً إلى بكين لتعزيز الروابط الاقتصادية. هذه الزيارة ليست مجرد تحرك تجاري، بل هي رسالة سياسية مفادها أن لندن -الحليف الأقرب تاريخياً- لم تعد مستعدة لاتخاذ مواقف عدائية تضر باقتصادها لمجرد إرضاء المزاجية السياسية في البيت الأبيض.
𔁱. السعي للاستقلال الأمني هرباً من المزاجية الأمريكية
​في سابقة تاريخية، أثارت مساعي الإدارة الأمريكية للاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك قلقاً واسعاً في القارة العجوز. هذا الطرح، إلى جانب تصريحات الرئيس الفرنسي التي وصفت الإدارة الأمريكية بأنها "معادية لأوروبا بشكل علني"، سرّع من الجهود الأوروبية لتعزيز استقلالها الأمني بعيداً عن واشنطن وحلف الناتو، في مؤشر واضح على انعدام ثقة الأصدقاء بالغطاء الأمني الأمريكي الذي بات مرتبطاً بـ"مزاج" الإدارة.
𔁲. انهيار سياسة "الإكراه" ضد الخصوم (إيران نموذجاً)
​اعتمدت واشنطن تاريخياً على العقوبات والتهديد لتركيع الخصوم. لكن الإدارة الحالية تواجه حائط سد؛ فلأول مرة، تختار القيادة الإيرانية الانسحاب من محادثات السلام، مفضلة الاستمرار في المواجهة على القبول بشروط الاستسلام التي تمليها واشنطن. هذا الرفض يثبت أن مقاربة الإدارة الأمريكية التي تتعامل مع الدول كـ"كيانات سلبية" تفشل تماماً، مما يُسقط هيبة الردع الأمريكي.
𔁳. سقوط الحلفاء الأيديولوجيين وكسر الهيبة الروحية
​سقوط حلفاء واشنطن: رغم الدعم الاقتصادي والسياسي المباشر الذي قدمته الإدارة الأمريكية لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أطاح به الناخبون، مما يثبت أن "البركة الأمريكية" قد تتحول أحياناً إلى عبء سياسي.
​مواجهة الفاتيكان: تصريح البابا ليو الرابع عشر العلني بأنه "لا يخشى" الرئيس الأمريكي، والاصطفاف الإيطالي خلفه، يمثل انكساراً للهيبة الأخلاقية والروحية التي كانت واشنطن توظفها كـ"قوة ناعمة" لدعم سياساتها.
​الخاتمة
​إن ما تشهده الساحة الدولية اليوم هو إعادة ضبط هيكلية للنظام العالمي. لقد أساءت الإدارة الأمريكية الحالية تقدير مدى التغير في موازين القوى، متوهمة أن الدول -حلفاء كانوا أم خصوماً- مجرد أطراف في "صفقة" يمكن إملاؤها بالتهديد والابتزاز.
​النتيجة كانت ولادة واقع جيوسياسي جديد، حيث من غير المتوقع أن تنتهي الولايات المتحدة كقوة كبرى ومهمة، لكنها ستجبر صاغرةً على التخلي عن أحاديتها القطبية، والاعتراف بعالم متعدد الأقطاب تحكمه الندية، والمصالح المتبادلة، ولا مكان فيه للإملاءات الأحادية.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر