|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 4 / 16
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
16 نيسان/أبريل 2026
لم تكن الإنتخابات المجرية الأخيرة مجرد تبدّل في السلطة بين حزبين، بل لحظة إعادة تموضع دقيقة داخل أوروبا الوسطى، تكشف أكثر مما تُعلن: حدود “السياسة السيادية” التي مثّلها فيكتور أوربان، وصعود نموذج بديل أقل صداماً مع بروكسل، لكنه ليس بالضرورة أقل براغماتية.
فوز حزب “تيسا” بزعامة بيتر ماديار، وفق مجمل التغطيات الإعلامية، أنهى مرحلة سياسية امتدت منذ 2010، لكنّه لم يفتح باب قطيعة بقدر ما فتح باب إعادة التكيّف مع مركز الإتحاد الأوروبي.
أولاً: إقتصاد يومي يهزم الجغرافيا السياسية
تكاد تتفق القراءات المختلفة، من الإعلام الروسي إلى الأوروبي، على أن العامل الحاسم لم يكن السياسة الخارجية، بل “الإرهاق الداخلي”.
فبعد أكثر من عقد ونصف من حكم “فيدس”، تبلورت لدى قطاعات واسعة من الناخبين — خصوصاً الشباب — قناعة بأن الأولويات إنحرفت من الداخل إلى الخارج: أوكرانيا، روسيا، بروكسل، والهويات الكبرى، مقابل ملفات أكثر إلحاحاً مثل الأسعار، الخدمات العامة، والفرص الإقتصادية.
تختصر إحدى القراءات هذا التحول بجملة لافتة: الناخب المجري لم يعد يصوت على “موقع بلاده في العالم”، بل على “موقعه هو داخل بلده”.
ثانياً: نهاية “الإستثناء الأورباني” داخل الإتحاد الأوروبي
منذ سنوات، شكّلت المجر تحت حكم أوربان حالة إستثنائية داخل الإتحاد الأوروبي: دولة عضو، لكنها تمارس تعطيلًا منتظماً في ملفات العقوبات على روسيا، والمساعدات لأوكرانيا، وتوزيع الأموال الأوروبية.
هذا الدور جعل بودابست لاعباً غير مريح في منظومة القرار الأوروبي، لكنه في الوقت ذاته منحها وزناً تفاوضياً غير متكافئ مع حجمها.
صعود ماديار يُقرأ، في المقابل، كعودة تدريجية إلى “الإيقاع المؤسسي” للإتحاد الأوروبي، أي تقليص منطق الفيتو الفردي لصالح الإنضباط الجماعي، خصوصاً في الملفات المالية والسياسية الكبرى.
لكن هذا التحول لا يبدو أيديولوجياً بقدر ما هو “إداري-سياسي”: إنتقال من سياسة التعطيل إلى سياسة التفاوض داخل القواعد، لا خارجها.
ثالثاً: ماديار… قطيعة مع أوربان أم إعادة تدوير للنخبة؟
تقدّم معظم التحليلات صورة أكثر تعقيداً لبيتر ماديار من كونه مجرد “نقيض لأوربان”.
فالرجل، كما تشير سيرته السياسية، جزء من النخبة نفسها التي حكمت البلاد خلال العقدين الماضيين، بل كان قريباً من حزب “فيدس” قبل إنفصاله عنه في سياق خلافات داخلية.
هذا ما يدفع بعض المراقبين إلى إعتبار التغيير “داخل العائلة السياسية نفسها”، لا خارجها.
الفارق الأساسي لا يكمن في الإتجاه الأيديولوجي العام — فكلا المعسكرين يميلان إلى اليمين بدرجات مختلفة — بل في أسلوب الحكم:
▪️أوربان: سيادة صلبة، توتر مع بروكسل، خطاب هوية حاد
▪️ماديار: إندماج مؤسساتي، خطاب إصلاحي، مكافحة فساد، وتخفيف الصدام
رابعاً: بروكسل تعود كفاعل داخلي في السياسة المجرية
أحد أبرز ملامح هذه الإنتخابات هو عودة الإتحاد الأوروبي من كونه “خارجياً” إلى كونه “داخلياً” في السياسة المجرية.
فالأموال الأوروبية، التي جُمّدت جزئياً خلال سنوات التوتر مع أوربان، تحولت إلى أداة ضغط إنتخابي غير مباشر: وعود بالتمويل مقابل تغيير سياسي.
بهذا المعنى، لم تكن الإنتخابات مجرد تنافس حزبي، بل أيضاً إختبارًا لنموذج “المشروطية الأوروبية”: المال مقابل الإلتزام السياسي.
خامساً: أوكرانيا وروسيا — من الفيتو إلى التكيّف
في ملف الحرب الأوكرانية، لا تبدو التحولات حادة بقدر ما هي تدريجية.
أوربان لعب دور “المعطّل” داخل الإتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات العقوبات والمساعدات. أما ماديار، وفق التوقعات السياسية المتقاطعة، فقد يتحرك ضمن هامش أضيق: تقليل إستخدام الفيتو، دعم أكبر لقرارات الإتحاد، ولكن دون الذهاب إلى قطيعة كاملة مع روسيا، ذلك أن البنية الطاقوية والإقتصادية للمجر تجعل من الإستدارة الكاملة نحو الغرب خياراً مكلفاً، إن لم يكن مستحيلاً على المدى القصير.
سادساً: روسيا تفقد “صوتاً داخلياً” داخل الإتحاد
من منظور موسكو، تتجاوز أهمية أوربان حدود العلاقات الثنائية مع المجر، إلى كونه كان أحد الأصوات القليلة داخل الإتحاد الأوروبي القادرة على تعطيل أو تعديل الإجماع الغربي.
تراجع هذا الدور لا يعني إنهيار العلاقات، لكنه يعني عملياً:
▪️تضييق مساحة المناورة الروسية داخل مؤسسات الإتحاد
▪️تحوّل المجر من “عائق سياسي” إلى “شريك أقل إعتراضاً”
لكن في المقابل، تشير بعض التحليلات الروسية نفسها إلى أن التحول لن يكون سريعاً، بسبب إستمرار الإعتماد الطاقوي والعقود طويلة الأمد والبنية الإقتصادية المتشابكة.
سابعاً: المجتمع المجري — تصويت ضد التكلّس لا ضد السياسة
أحد المفاتيح التفسيرية المهمة في معظم التحليلات هو أن التصويت لم يكن ضد برنامج أوربان بالكامل، بل ضد “إستمرارية السلطة”.
فجزء كبير من السياسات المحافظة — خصوصاً في الهجرة والهوية والدعم الزراعي — لا يزال يحظى بقبول إجتماعي واسع.
بمعنى آخر، لم يصوّت المجريون ضد نموذج، بل ضد إحتكاره الطويل للسلطة.
وهو ما يسمى Incumbency Fatigue (إرهاق البقاء في السلطة) أي تراجع دعم الناخبين للحاكم أو الحزب الحاكم بسبب طول فترة بقائه في السلطة، ما يولّد شعوراً بالملل أو الرغبة في التغيير. وغالباً ما يرتبط ذلك بتراكم الأخطاء أو تآكل الثقة حتى دون حدوث فشل كبير.
خاتمة: أوروبا الوسطى بين الإستقرار والتبدّل الهادئ
ما تكشفه التجربة المجرية الأخيرة ليس تحولاً ثورياً، بل إعادة ضبط دقيقة لمعادلة السلطة داخل دولة أوروبية محورية في التوازنات الشرقية للإتحاد.
أوربان لم يسقط بوصفه فكرة سياسية، بل بوصفه حالة حكم طويلة أستُهلكت داخلياً.
وماديار لم يصعد بوصفه قطيعة مع الماضي، بل بوصفه محاولة لإعادة تقديمه بلغة أقل صداماً وأكثر توافقاً مع مركز أوروبا.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً — وربما الأهم — هو: هل تعود المجر إلى قلب أوروبا لأنها إختارت ذلك… أم لأن أوروبا قررت أن تعيد تعريف قلبها من جديد؟
*****
المراجع والمصادر الروسية
1) صحيفة موسكو تايمز (الخدمة الروسية)
"بوتين يخسر حليفًا رئيسيًا في الاتحاد الأوروبي: أوربان يخسر الانتخابات في المجر"
2) موقع Gazeta.ru
"لا حديث عن المعاملة بالمثل: ماذا سيحدث للعلاقات الروسية المجرية؟"
3) موقع NEWS.ru
"المجر والمجريون أولًا: أوربان يخسر الانتخابات"
4) موقع NEWS.ru
"أوربان يخسر الانتخابات: ماذا يعني هذا لروسيا وأوروبا؟"
5) صحيفة كومسومولسكايا برافدا (KP.ru)
"فيكتور لا يعني الفائز: لماذا خسر أوربان الانتخابات المجرية؟"