|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 4 / 15
كان الوقت ظهراً، والطائرة تلامس تحت جناحيها ركاماً من قممٍ ثلجيةٍ مبهرة. فجأة، صرخ قبطان الطائرة قائلاً: «لقد عبرنا، أيها الذوات، خط الاستواء، وانتقلنا إلى النصف الآخر من الكرة الأرضية. هذه جبال كليمنجارو، أعلى قمم القارة الأفريقية، التي تتوسط ذلك الخط الفاصل بين شمال العالم وجنوبه».
دهشتُ وأنا أسمعه يشرح أن ارتفاع قمة أحد الجبال الثلاثة المكوِّنة لكليمنجارو يبلغ نحو ستة آلاف متر، وأن هناك عالماً من الأنهار والغابات والتنوع البيولوجي يصعب وصفه. قلت في سري: هذه هي المغامرة الأولى في ريعان الشباب، أن أقطع خط الطول فوق أعلى ثلاث جبال بركانية ثلجية بيضاء ترقد على خط الاستواء في القارة السمراء؛ ليتشكل عالم غريب يمزج بين البشرة السوداء والقمم البيضاء، في انسجام لا يمكن تفسيره للألوان التي تعلو غابات أفريقيا الاستوائية الكثيفة في تلك المرتفعات الساحرة.
دخلنا سماء الجنوب الأفريقي الصافية الزرقاء بعد الظهيرة، وغادرنا تلك الارتفاعات الشاهقة، لكن رواية الكاتب الأمريكي اليساري إرنست ارنست همنغواي “ثلوج كليمنجارو “ لم تفارق خاطري .رواية كُتبت في العام 1936، ثم تحولت إلى فيلم درامي في هوليوود في العام 1952. وتذكرت الأيام التي عجّت فيها دور السينما في بغداد بتلك القصة القصيرة الشهيرة، التي تدور حول الندم والموت ومعنى الحياة، وتُلخص تجربة إنسانية في جبال كليمنجارو بوصفها رمزاً للقوة.
كانت الأحداث تدور حول كاتب أمريكي يُدعى هاري يسافر إلى أفريقيا مع زوجته، لكنه يُصاب خلال رحلة صيد في سفوح الجبل بجرح خطير في ساقه بسبب الغرغرينا، ويبدأ جسده بالضعف تدريجياً. وهو يرقد في المخيم منتظراً الموت، يُراجع حياته ويتذكر أنه كان كاتباً موهوباً، لكنه بدد موهبته بين الطمع في المال وحب الحياة المترفة، فاستولى عليه الإهمال والتوقف عن الكتابة. وفي الأثناء، ترعاه زوجته رغم التوتر بينهما، وتحاول مساعدته بقدر ما تستطيع.
ولكن ظلت الفكرة الأساسية للقصة ليست عن الجبل نفسه، بل عن الندم على إهدار الفرص، وضياع الموهبة، ومواجهة الإنسان لحقيقة الموت، والبحث عن معنى للحياة في لحظاته الأخيرة. فجبل كليمنجارو يرمز إلى النقاء والطموح والخلود، بينما يرمز مرض البطل إلى الفشل والضياع والانحدار. وأن أكبر خسارة هي ليست الموت، بل عدم تحقيق الذات.
فبين هذا وذاك، وبعد أن غادرنا مرتفعات كليمنجارو في السماء، حلّ صفاء الذهن عند ساحل المحيط الهندي في العاصمة التنزانية دار السلام. وهناك اختلطت الغيوم البيضاء بزرقة السماء وهدوء المياه الصافية الساكنة، حيث تعُشق الحياة. ولم يكن أمام العين سوى نسق من المنحوتات السوداء المتشابكة، المصنوعة من خشب الماهوجني والأبنوس، بأشكالٍ تتشابك فيها الأيدي كأنها محاولة دائمة للإمساك بالمعنى قبل أن يفلت.
مرت سنوات، واستقرت واحدة من تلك التماثيل المتشابكة من خشب الأبنوس في غرفة الاستقبال في منزلي المتواضع. وكنت أشرح لضيوفي أن بين قمة كليمنجارو البيضاء القوية وزرقة مياه المحيط الهندي على السواحل الشرقية لأفريقيا تُنحت تماثيلٌ لرمزيات مختلفة من الطبيعة والجمال والقوة. لكن صديقاً عزيزاً فاجأني بتعليقٍ قاسٍ أسدل الستار وأفسد فرحتي، فصرت أنا وهاري الجريح في قصة كليمنجارو في مرمى واحد. نصحني برمي تلك المنحوتة الرائعة المتشابكة في قمامة الأزمنة بحجة أنها «صنم». فألغى في نفسي فرحة المغامرة التي بدأت من قمة كليمنجارو، وصولاً إلى محاكاة الحرية والسلام على ضفاف المحيط الهندي الزرقاء.
انقلبت فجأةً الطبيعة في داخلي، وانقلبت قصة همنغواي، لتنتقل في تعثراتها من رمزٍ للطموح والنقاء إلى قلقٍ خافتٍ يذوب بين الجبل والبحر، في سؤالٍ مفتوح عن معنى الذات على خط الاستواء… واستحالت تلك الثلوج البيضاء في الذاكرة إلى لهبٍ لا يبرد، يشتعل في مسافةٍ بين الإدراك والخذلان.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |