التعليم العالي من الزبائنية إلى الخدمة المجتمعية: رؤية نقدية في سياق الدولة الرخوة

غالب المسعودي
2026 / 4 / 14

الجامعة بين المطرقة والسندان
يشهد العالم المعاصر تحولات كبرى في بنية التعليم العالي وظائفه؛ فلم تعد الجامعة مجرد محراب لغرس المعرفة وتوريث القيم، بل تحولت إلى ساحة صراع محتدمة بين قوى التنميط العالمي الشامل من جهة، والضرورات الوطنية الوجودية من جهة أخرى. في ظل هذا التجاذب، يبرز التحدي الأكبر للدول التي وصفها عالم الاجتماع غونار ميردال بـ "الدول الرخوة"؛ وهي تلك الدول التي تعاني من ضعف سيادة القانون، وتفشي المحسوبية، وانفصام العقد بين المؤسسة والمجتمع.
إن الانتقال من نظام "الزبائنية" الذي يعيد إنتاج الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية، إلى فضاء "الخدمة المجتمعية" التي تعزز قيم المواطنة الفاعلة، يمثل استحقاقاً مصيرياً. يتطلب هذا الانتقال تشريحاً فلسفياً عميقاً للجذور التاريخية لهذه الأزمات، وفهماً نقدياً لتأثيرات "التسطيح العالمي" و"النفعية الجديدة" التي حولت المعرفة إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب، وصولاً إلى بناء وعي نقدي قادر على صون السيادة المؤسسية في مواجهة وجودية لا تقبل التجزئة.

الجذور الوجودية للزبائنية في فضاء التعليم العالي
تمثل الزبائنية في سياق التعليم العالي عائقاً بنيوياً يحول دون تحقيق النهضة المعرفية المنشودة. وتعود جذور هذه الظاهرة في الدول الرخوة إلى افتقار المناهج التعليمية لموضوعات حقيقية تعزز قيم الانتماء الوطني، مما أدى إلى غياب الهوية الجامعة وحلول الولاءات الفرعية (القبلية، الطائفية، أو الحزبية) محلها.
في المجتمعات التقليدية، استمرت الطوائف المهنية والحرفية لقرون في إعادة إنتاج نفسها عبر علاقة "المعلم بالصبي"، وهي علاقة تعاضدية منحت الفرد حماية ومنظومة معيارية محددة. إلا أن هذه العلاقة، حين نُقلت بغير وعي إلى سياق الدولة الحديثة، تحولت إلى نمط من "المحسوبية" التي تعطل مبدأ تكافؤ الفرص. تتجلى الزبائنية الأكاديمية اليوم في تحويل الجامعة إلى سوق لتبادل المصالح بين النخب السياسية والكوادر الأكاديمية والإدارية. هذا النمط من العلاقات الزبائنية يؤدي بالضرورة إلى انهيار الجودة التعليمية؛ حيث تصبح التعيينات، والترقيات، والمنح الدراسية خاضعة لمنطق "المحاسيب" بدلاً من الجدارة والاستحقاق، مما يفرغ المؤسسة من محتواها العلمي ويحولها إلى أداة لتدجين العقول وتطويع الجماهير لخدمة السلطة أو الجماعة.

التسطيح العالمي وأزمة الهوية الثقافية
تغول العولمة في صيغتها "المسطحة" يعمل على تذويب الخصوصيات الحضارية للشعوب لصالح نمط استهلاكي وقيمي موحد. هذا التسطيح يمثل تحدياً وجودياً للهوية الثقافية واللغوية داخل أروقة الجامعات. فالعولمة الثقافية هنا ليست مجرد تبادل للمعلومات، بل هي محاولة لتكريس هيمنة فكرية تهدف إلى تنميط الشعوب لضمان تبعيتها الحضارية المستمرة.
تؤدي هذه الضغوط العالمية إلى حالة من "الانشطار الهوياتي" داخل الوسط الأكاديمي؛ حيث ينقسم المجتمع الجامعي إلى تيارين: أحدهما ينكفئ على التقاليد الجامدة كآلية دفاعية يائسة، والآخر يذوب كلياً في النماذج الوافدة دون نقد أو تمحيص. هذا الصراع يولد ما يمكن تسميته "الانتماء الرمزي الصوري"، وهو نوع من الانتماء المعرفي الهش الذي يتبنى قشور الحداثة ولكنه يضعف الانتماء الحقيقي للوطن، مما يخلق بيئة خصبة للاغتراب الفكري أو الانزلاق نحو حركات التطرف التي تتغذى على فقدان الهوية.

نحو علم تربية تحرري ووعي نقدي
في مواجهة التهديدات التي تفرضها "الدولة الرخوة" وتحديات التسطيح العالمي، تصبح الحاجة إلى "علم تربية نقدي" ضرورة وجودية. وهنا نستلهم أفكار الفيلسوف التربوي باولو فريري، الذي يرى التعليم أداة للتحرر تهدف إلى بناء "الوعي النقدي". هذا الوعي هو الذي يمكن الطالب من تجاوز دور "المتلقي السلبي" ليصبح فاعلاً قادراً على تحليل واقعه الاجتماعي والسياسي.
يؤكد هذا الطرح أن "الوعي الساذج" يجعل الشعوب ضحية سهلة للاعقلانية والتدجين الذي ممارسه الصفوة لإسكات الجماهير. أما الوعي النقدي، فيتفاعل مع الواقع بطريقة تفكيكية؛ فلا يكتفي الطالب باستيعاب المعلومة، بل يسأل عن سياقها، والدوافع الكامنة وراء صياغتها، وكيفية استخدامها في تحسين حياة الإنسان. إن تحرير العقل الأكاديمي من قيود الزبائنية يبدأ من هذه النقطة: حين تدرك الجامعة أن وظيفتها ليست إنتاج موظفين مطيعين، بل صياغة مواطنين أحرار.

المسؤولية المجتمعية: المخرج الاستراتيجي
يمثل مفهوم المسؤولية المجتمعية المخرج الحقيقي لتجاوز إرث المحسوبية. إن الجامعة في الدول النامية يجب ألا تنكفئ على ذاتها في برج عاجي للبحث العلمي النظري، بل يجب أن تمارس دور "الخادم العام" للمجتمع. هذا التحول يتطلب تغييراً جذرياً في النظرة الاقتصادية للتعليم؛ من كونه "مركزاً لاستهلاك الأموال" وميزانيات الدولة، إلى كونه "عملية استثمار مستدامة" في رأس المال البشري.

تتعدد مجالات الخدمة المجتمعية لتشمل:

البعد التنموي: توجيه الأبحاث العلمية لحل المشكلات المحلية (الفقر، المياه، الطاقة).

البعد القيمي: تعزيز قيم النزاهة والشفافية لمواجهة ثقافة المحسوبية.

البعد القيادي: تبني "القيادة التحويلية" التي تراجع النظم التعليمية لدمج الجامعة في نسيج المجتمع.

المسؤولية المجتمعية ليست بديلاً عن الجودة الأكاديمية، بل هي برهان عليها؛ فالمعرفة التي لا تنفع الناس ولا تلامس آلامهم هي معرفة عقيمة لا قيمة لها في ميزان النهضة.

الحصانة المعرفية والتكامل الأصيل
في مواجهة "النفعية الضيقة" التي تقيس العلم بمقدار الربح المادي الفوري، تبرز الحاجة إلى "الحصانة المعرفية". هذه الحصانة لا تعني الانغلاق أو معاداة الآخر، بل تعني القدرة على الانفتاح العلمي بوعي، والاقتباس من منجزات العصر دون فقدان البوصلة الوطنية أو السقوط في فخ التبعية الفكرية.
ويقترن هذا المفهوم بـ "التكامل المعرفي"؛ أي قدرة الأكاديمي والباحث على الجمع بين التخصص الدقيق والرؤية الموسوعية الشاملة. إن النزعة التخصصية المفرطة، إذا لم تكن مسيجة بوعي إنساني وفلسفي، تتحول إلى أنساق مغلقة تنتج "خبراء بلا روح"، يخدمون آلات البيروقراطية دون إدراك للأبعاد الأخلاقية لعملهم.

الاستنتاجات والتوصيات
إن التحول من الزبائنية إلى الخدمة المجتمعية في الدول الرخوة ليس خياراً ترفياً، بل هو ضرورة وجودية في عصر يتسم بالسيولة والتنميط. إن الجامعة هي "الحصن الفكري" الأخير الذي يحمي الهوية المجتمعية من التشرذم والاندثار.

ولتحقيق هذا التحول، نوصي بما يلي:

تفكيك بنية المحسوبية: عبر اعتماد معايير عالمية صارمة في التعيين والترقي، تقوم على الجدارة وحدها.

جسر الفجوة بين التخصصات: كسر الحواجز بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية لبناء شخصية متكاملة بوعي كوني وأصالة وطنية.

توطين المعرفة: تحويل الجامعة إلى مختبر لحلول المشكلات الوطنية، بدلاً من أن تكون مجرد ناقل لنظريات قد لا تتناسب مع السياق المحلي.

إن الانتقال بالتعليم العالي إلى فضاء الخدمة المجتمعية يمثل تجسيداً لسيادة الأمة على ثرواتها المعرفية والبشرية. إنها معركة وعي تتطلب تضافر جهود الأساتذة والطلاب والإدارة لبناء جامعة لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تسهم بفاعلية في صياغة مستقبل الكرامة والرفاهية. الفلسفة هنا هي الضمانة لعدم انزلاق هذا التحول نحو نفعية سوقية ضيقة، وهي البوصلة التي توجه العقل نحو الحق والحرية والمسؤولية.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر