|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 4 / 13
شهدت المجر في الثاني عشر من نيسان 2026 تحولاً تاريخياً أسدل الستار على ستة عشر عاماً من حكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان. لم تكن هذه الانتخابات مجرد شأن داخلي، بل نقطة انعطاف حاسمة ستتردد أصداؤها في أروقة صنع القرار في القارة الأوروبية والشرق الأوسط. بإقرار أوربان بهزيمة حزبه، "فيدس"، أمام حزب "تيزا" بقيادة بيتر ماغيار، الحليف السابق الذي تحول إلى أبرز المعارضين، تطوي المجر صفحة طويلة مما أسماه أوربان "الديمقراطية غير الليبرالية".
لم يكن سقوط أوربان وليد اللحظة، بل تتويجاً لتراكم أزمات نخرت في جسد نظامه؛ حيث لعب العامل الاقتصادي دوراً حاسماً في تأليب الشارع المجري نتيجة التضخم وتراجع مستوى المعيشة، وتفاقمت الأزمة بفعل تجميد بروكسل لمليارات اليوروهات رداً على انتهاكات سيادة القانون. وجاءت الضربة القاضية بظهور بيتر ماغيار، الذي كسر حاجز الخوف ووفر مظلة آمنة لتصويت عقابي ضد نظام استنفد مبررات بقائه.
وفي سياق هذا التحول، يبرز التساؤل حول مستقبل "استراتيجية الانفتاح الشرقي" التي هندسها أوربان مع موسكو وبكين. لم يكن هذا التوجه مجرد تقارب أيديولوجي، بل استند إلى براغماتية اقتصادية؛ حيث شكلت روسيا شريان الطاقة للمجر بأسعار تفضيلية، بينما ضخت الصين استثمارات هائلة في البنية التحتية. ومع رحيل أوربان، سارع خليفته المنتظر، بيتر ماغيار، إلى إرسال رسائل طمأنة براغماتية باتجاه الشرق، مدركاً أن الجغرافيا تفرض أحكامها.
ففي تصريح لافت لصحيفة "نيبسافا"، أكد ماغيار ضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مشدداً على أن "الموقع الجغرافي لروسيا والمجر لن يتغير، وسيظل الاعتماد على الطاقة قائماً". وبدد ماغيار مخاوف موسكو من حدوث انقلاب جذري في السياسة الخارجية، موضحاً أنه لن يقود حكومة "موالية لأوكرانيا" ولا ينوي الدفاع عن مصالح كييف على حساب مصالح بلاده. ويبدو أن هذه التصريحات السريعة قد أسهمت في تهدئة مخاوف الكرملين، حيث استبعدت الصحف الروسية حدوث تبدل جوهري في العلاقات الثنائية، مما يعزز التوقعات باستمرار "الحياد المجري" تجاه الصراع في أوكرانيا.
هذا الموقف الفاتر تجاه كييف قد يضع حداً لآمال بروكسل في رؤية تحول كامل للمجر نحو المحور الغربي المتشدد. ومع أن العاصمة البلجيكية تتنفس الصعداء برحيل أوربان، "رجل الفيتو" الذي عرقل سياساتها لسنوات، وتتوقع عودة المجر للامتثال لمبادئ سيادة القانون، إلا أن تصريحات ماغيار تشير إلى أن بودابست قد تظل "تغرّد خارج السرب" الأوروبي فيما يخص العلاقة مع موسكو، وإن كان ذلك بأسلوب أقل تصادماً مع المؤسسات الأوروبية.
أما في الشرق الأوسط، فيُقرأ الحدث من زاوية الارتدادات المباشرة، ليُسجل هذا السقوط كيوم حزين بامتياز لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. فبالنسبة لنتنياهو، شكل أوربان درعاً واقياً لدولة الكيان داخل الاتحاد الأوروبي، مستخدماً الفيتو لإحباط أي بيانات تدين السياسات الإسرائيلية أو تدعو لوقف إطلاق النار. وبذهابه تفقد تل أبيب حليفاً شرساً ومحامياً سخّر ثقله الدبلوماسي لتقويض مساعي العدالة الدولية، سواء بتحديه لمذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية أو تنديده بدعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
وبالمثل، يمثل خروج أوربان نكسة كبرى لترامب ومساعيه لتعزيز محور اليمين الشعبوي العالمي. فقد كان أوربان الصوت الأوروبي الأبرز الداعم لترامب، والحليف الذي يشاركه العداء للتعددية والمهاجرين. إنّ انهيار حكومته اليوم يوجه رسالة قوية بأنّ هذا المد الشعبوي قابلٌ للانحسار أمام بدائل سياسية قادرة على محاورة الشارع وتجاوز الاستقطاب.
إنّ التغيير الذي أفرزته صناديق الاقتراع في المجر يتجاوز تغيير الوجوه؛ فهو يرسخ مرحلة جديدة من التماسك الأوروبي الحذر، ويوجه ضربة لتيار اليمين المتطرف، ويجرد دولة الكيان من حصن دبلوماسي هام، في حين يبقى "الخيط الرفيع" مع موسكو مشدوداً تحت وطأة الضرورات الجيوسياسية والطاقة التي يبدو أن ماغيار لن يغامر بقطعها
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |