|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ليث الجادر
2026 / 4 / 13
لم تعد الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، قابلة للفهم بوصفها صراعًا عسكريًا تقليديًا. ما نشهده ليس حربًا تُخاض لتحقيق نصر، بل صراعًا يُدار للحفاظ على الغموض. إنها حرب بلا حقيقة، أو بالأدق: حرب تُدار فيها الحقيقة كمتغير قابل للتشكيل، لا كمعطى ثابت.
أخطر ما تكشفه هذه المواجهة ليس حجم الضربات، بل انهيار العلاقة بين الفعل العسكري والخطاب السياسي. فقدت الولايات المتحدة وإيران—كل بطريقتها—المصداقية السياسية، بينما بقي الأداء العسكري منفصلًا تمامًا عن التفسير العلني له. لم يعد ما يُقال يشرح ما يحدث، بل يعيد إنتاجه بصيغة مختلفة.
المفارقة الصادمة أن الطرف الذي يوجّه ضربات أقوى هو نفسه الذي يسارع إلى طلب التهدئة. هذا السلوك لا يعكس تناقضًا، بل يكشف تحولًا في وظيفة القوة: لم تعد وسيلة للحسم، بل أداة لضبط الإيقاع ومنع الانفجار. القوة هنا تُستخدم لتحديد السقف، لا لتجاوزه.
في هذا السياق، يتحول الخطاب إلى ساحة قتال موازية. سلوك دونالد ترامب—عبر احتكار ما يشبه البيانات العسكرية وتضخيم الإنجازات—لا يمكن فصله عن محاولة السيطرة على الرواية. لكن هذا الإفراط في الإشارة أدى إلى نتيجة عكسية: تآكل الثقة، وتحول الخطاب الرسمي إلى مادة شك، بل إلى ما يبدو في نظر كثيرين كهلوسة سياسية. حتى إعلانه عن سقوط مقاتلات أمريكية مثل F-15 مع إنقاذ الطيارين، لم يُنتج وضوحًا، بل عمّق الغموض: هل هو حادث تقني أم إسقاط قتالي؟ ولماذا يُعلن الحدث دون تفسيره؟
على الضفة الأخرى، لم تكن إيران أكثر التزامًا بالحقيقة، بل مارست نمطًا مختلفًا من التضليل: إنكار قاطع لأي تواصل مع الولايات المتحدة، قبل أن تتكشف لاحقًا قنوات فعلية، عبر أدوار شخصيات مثل محمد باقر قاليباف. هنا لا يكون الكذب انحرافًا، بل تقنية تفاوضية: حماية صورة الصمود داخليًا، مع إدارة تفاوض فعلي في الخفاء.
ما يبدو كأخطاء تقديرية جسيمة—مثل الحديث عن تفاجؤ دونالد ترامب بإمكانية إغلاق مضيق هرمز—يكشف في الحقيقة عن شيء أعمق. إغلاق المضيق ليس سيناريو مفاجئًا، بل أحد أبجديات التخطيط العسكري الأمريكي. لذلك، فإن “المفاجأة” هنا ليست عسكرية، بل مصنّعة سياسيًا، تُستخدم لإعادة تأطير الحدث وتبرير ردود لاحقة. هذا يعزز الانطباع بأن الحرب تتحرك داخل سيناريوهات مسبقة، لا تُنفّذ حرفيًا، لكنها ترسم حدود اللعبة بدقة.
في قلب هذه الحرب، يصبح الغموض سلاحًا بحد ذاته. سقوط طائرات دون تحديد سبب، ضربات دون تبنٍ واضح، تفاوض يُنكر ثم يُكشف—كلها ليست فوضى، بل أدوات. الهدف لم يعد إقناع العالم برواية، بل إبقاؤه في حالة شك دائم حول كل الروايات.
ضمن هذا المشهد، يبرز بعد دولي لا يمكن تجاهله. الأداء الإيراني يوحي بتأثر واضح بدعم تقني واستراتيجي من روسيا والصين، لكن دون انخراط مباشر. ما يحدث ليس تحالفًا حربيًا تقليديًا، بل استثمار غير مباشر في استنزاف الخصم الأمريكي، مع الحفاظ على مسافة أمان من المواجهة.
لهذا تبدو الحرب وكأنها “مُخرَجة” سلفًا. ليس لأن هناك نصًا جاهزًا يُنفّذ، بل لأن كل الأطراف تتحرك ضمن سقوف محسوبة، تُدار فيها وتيرة التصعيد بدقة عالية. إنها حرب لا يُسمح لها أن تنفجر، ولا يُراد لها أن تنتهي.
الخلاصة أن ما نشهده ليس صراعًا على الأرض بقدر ما هو صراع على معنى ما يحدث على هذه الأرض. في هذه الحرب:
الكذب ليس خللًا، بل أداة
الغموض ليس نقصًا، بل استراتيجية
والتناقض ليس خطأ، بل ضرورة تشغيلية
هكذا تتحول الحرب إلى معادلة مختلفة تمامًا:
من ينجح في إدارة الإدراك… لا يحتاج إلى نصر حاسم.
وهنا، لا تكون “حرب الظل الشامل” مجرد توصيف، بل نظامًا جديدًا للصراع: حرب بلا حقيقة، تُدار فيها الوقائع بقدر ما تُصنع.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |