المعركة اليائسة: الصهيونية العالمية أمام منعطف تاريخي خطير

زياد الزبيدي
2026 / 4 / 12

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

13 نيسان/أبريل 2026

في التاسع من أبريل 2026، نشر الكاتب الروسي ديمتري سيدوف مقالة بعنوان «المعركة اليائسة للصهيونية العالمية» على موقع «مؤسسة الثقافة الاستراتيجية»، أحد أبرز المنصات التحليلية الروسية المتخصصة في الشؤون الإستراتيجية والجيوسياسية. وفي نص يجمع بين السرد التاريخي الحاد والتحليل السياسي الجريء، يرسم سيدوف صورة لإسرائيل كدولة وصلت إلى مفترق طرق، حيث يُتهم «الطريق الطويل» الذي بدأته عام 1948 «كطريق لصوصية إقليمية» بأنه قد ينتهي «بإنعطافة غير متوقعة، إن لم يكن طريقاً مسدوداً تماماً».
يبدأ سيدوف تحليله من الجذور التاريخية، مستذكراً السياسة التي وضعها موشيه دايان عام 1950. يقول الكاتب: «وضع موشيه دايان... سياسة الغارات الإنتقامية عبر الحدود... وصرح دايان لاحقاً أمام الكنيست: «لقد أثبتت سياسة العقاب الجماعي فعاليتها حتى الآن...».» ويضيف سيدوف أن هذا العقاب «لم يكن يختلف عن مثيله في عهد هيملر النازي إلا في إنتقائية الضحايا»، معتبراً إياه «محاولة لإضفاء الشرعية على سياسة الترحيل الواسعة للفلسطينيين» التي تجاهلت قرار الأمم المتحدة رقم 181 الخاص بدولتين مستقلتين.
يستعرض سيدوف التحول الديموغرافي الذي شهدته فلسطين بين 1947 و1948 بأرقام دقيقة: «في عام 1947، بلغ عدد العرب في فلسطين مليوناً ومائة ألف نسمة، مقابل ستمائة ألف يهودي». ثم ينتقل إلى ما يصفه بـ«الحرب الأهلية» التي اندلعت بعد إعلان اليهود «رغبتهم في تطهير المنطقة عرقياً»، مشيراً إلى أن «عصابتي الإرغون وشتيرن» كانتا «القوتين الضاربتين في عمليات الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين». ويورد قائمة طويلة من القرى التي دُمرت حول تل أبيب وحيفا، ويذكر أن حيفا «التي كانت مدينة عربية يبلغ عدد سكانها العرب 62 ألف نسمة، لم يبقَ منهم في عام 1948 سوى ما بين 5 و6 آلاف».
لكن سيدوف لا يقتصر على السرد التاريخي. يغوص في البُعد النفسي والأيديولوجي، معتبراً أن المهاجرين الأشكناز «الذين نجوا من نار النازية... كانوا يتعرضون لغسل دماغ يشبه إلى حد كبير ما مارسه الدكتور غوبلز مع الألمان». ويتابع: «كانت أفكار المسيحانية اليهودية... ممزوجة بنفس رفض المساواة بين الشعوب، وبنفس الحاجة إلى العنف لتحقيق الأهداف». ويصف المنظمة «الإرغون» بأنها «منظمة إرهابية يمينية راديكالية شوفينية فاشية» كما وصفها ألبرت أينشتاين وحنة أرندت وآخرون في رسالتهم المفتوحة بصحيفة «نيويورك تايمز» عام 1948.
يربط سيدوف هذا الماضي بالحاضر بلا هوادة. يرى أن «الوعي الإسرائيلي وصل إلى حالة من العمى العاطفي المبني على الشعور بالتفوق القومي»، وأن الشعار غير المعلن «نحن أصحاب فلسطين، والعرب لا يستحقون المساواة معنا لأنهم عرب» أصبح مقبولاً إجتماعياً. ويضرب مثلاً بـ«الإبادة الجماعية في غزة» و«مقتل المدنيين في إيران جراء القصف الإسرائيلي»، وكذلك القصف الأخير للبنان وبيروت الذي «أسفر عن مقتل مئات الأشخاص». كل هذا، في نظره، يحدث تحت أنظار «الرأي العام العالمي العاجز».
أما الخاتمة فتأتي بطابع إستراتيجي عميق. يرى سيدوف أن «السبب الرئيسي لبقاء إسرائيل حتى الآن يكمن في قوة الصهيونية العالمية» التي أنشأت «رأس جسر لنفوذها العالمي في الشرق الأوسط». لكنه يحذر من أن «بيت الورق للنظام العالمي القديم بدأ يتداعى»، مشيراً إلى «فشل الولايات المتحدة في حربها ضد إيران» كدليل على «هزيمة لنظام بأكمله». ويختم بمقارنة تاريخية جريئة: «ربما تسير إسرائيل على درب ألمانيا النازية، التي إرتقت على أكتاف الشوفينية القومية ثم إنهارت كظاهرة مرفوضة من العالم المحيط».
مقال سيدوف ليس مجرد نقد تاريخي؛ إنه محاولة لقراءة اللحظة الراهنة من منظور روسي إستراتيجي. يجمع بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الجيوسياسي البارد، ويطرح سؤالاً مركزياً: هل تستطيع الصهيونية العالمية أن تحافظ على نفوذها في عالم يتغير بسرعة، حيث تفقد الولايات المتحدة بعضاً من هيمنتها، وتزداد قدرة اللاعبين الإقليميين على تغيير التوازنات؟
في نهاية المطاف، يترك سيدوف للقارئ إنطباعاً بأن التاريخ لا يرحم من يعتمد على القوة وحدها. وفي هذا السياق، فإن مقاله يُعدّ وثيقة مهمة تعكس كيف ترى أوساط فكرية روسية بارزة مستقبل الصراع في الشرق الأوسط في ربيع 2026. والأيام القادمة، كما يقول التاريخ دائماً، هي التي ستحكم على صدق الرؤى أو زيفها.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي