|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

غالب المسعودي
2026 / 4 / 12
تتأصل إستراتيجية التفكيك في الفكر الفلسفي المعاصر بوصفها ممارسة نقدية تنقيبية، تهدف إلى خلخلة وتقويض المفاهيم التقليدية الراسخة التي قام عليها العقل الغربي، وفي مقدمتها مفاهيم الحقيقة، والهوية، والأصل، والمركزية العقلية. وبالعودة إلى التحليل اللغوي الدقيق لمصطلح التفكيك، يتبين أنه يتألف من مقاطع بنيوية متكاملة تشير في مجموعها إلى عملية تحليلية مزدوجة، لا تعني الهدم العبثي أو التدمير الفوضوي، بل تسعى إلى فحص الكيفية التي تشكلت بها البنى والمفاهيم الفكرية عبر التاريخ لإعادة قراءتها بصورة مغايرة.
إن الهدف المحوري الذي وجه معاول التفكيك تمثل في تقويض ما يسمى بـ "ميتافيزيقا الحضور"؛ وهي الرؤية التي تقوم على افتراض وهمي بوجود أصل ثابت، أو معنى نهائي مكتفٍ بذاته يمكن الإمساك به في لحظة حضور خالص. ومنذ عصر أفلاطون، عمل الفكر الغربي على إعلاء شأن الكلام والمنطوق بوصفهما تجليات مباشرة للوعي، في حين نُظر إلى الكتابة كعنصر ثانوي أو مجرد ملحق مشتق. يرى التفكيك أن هذا التمييز يمثل عنفاً تراتبياً يهدف إلى قمع الاختلاف؛ فاللغة هي شبكة من الفروق والإحالات المستمرة التي لا تستند إلى مرجع ثابت خارجها، مما يعني أن المعنى لا يحضر أبداً بكليته، بل يظل مؤجلاً باستمرار عبر ما يعرف بـ "المخالفة المرجأة".
ظواهر الوجود والعدم في المنظورات الوجودية
إذا كان التفكيك قد ركز على تقويض البنى النصية لميتافيزيقا الحضور، فإن الفلسفة الوجودية المعاصرة قد نقلت مركز الثقل نحو التجربة الذاتية المعاشة للإنسان. وتتميز الوجودية بكونها تجمع بين الأصالة الفردية والنقد الجذري للأنظمة التجريدية الشاملة، ويظل المبدأ الأبرز المشترك بين اتجاهاتها هو القول بأسبقية الوجود على الماهية. فالإنسان يوجد أولاً في هذا العالم كفراغ، ثم يبدأ عبر اختياراته وأفعاله الحرة في صياغة جوهره الخاص.
في هذا السياق المتصل بعلم الكينونة، تبرز فلسفة مارتن هايدغر التي رأت أن تاريخ الفلسفة قد انشغل بدراسة الموجودات المادية ونسي السؤال الجوهري حول "الكينونة" ذاتها. الإنسان بالنسبة له ليس مجرد كائن مفكر، بل هو "الكائن-هنا"؛ أي الموجود المنخرط في شبكة من الاهتمامات والعلائق. ويعد العدم عند هايدغر جزءاً لا يتجزأ من نسيج الوجود البشري، فهو لا ينكشف للوعي إلا من خلال تجربة القلق الوجودي، وهو شعور يختلف عن الخوف؛ فبينما يرتبط الخوف بموضوع محدد، يأتي القلق كحالة من عدم الاستقرار الكلي أمام تلاشي المعنى وانفلات السيطرة على الكينونة.
من المنظور المقابل، قدم جان بول سارتر قراءة لوصف ظواهر الوجود تؤكد أن الوعي البشري هو في أصله عدم. وقسّم الوجود إلى نمطين: الوجود في ذاته، وهو نمط الأشياء الجامدة والمادية التي تتميز بالامتلاء والثبات، والوجود لذاته، وهو نمط الوعي البشري الذي يفتقر إلى الامتلاء المادي لكونه متضمناً لعدم داخلي مستمر، وهذا العدم هو الذي يمنحه الحرية المطلقة في تجاوز واقعه وتغييره باستمرار. يرى سارتر أن هذا العدم الداخلي هو الذي يدفع الإنسان دوماً ليكون في حالة "صيرورة" مستمرة، ومع ذلك، فإن هذه الحرية تصاحبها مسؤولية ثقيلة تثير الرهبة، مما يدفع الفرد أحياناً إلى ممارسة "الخداع الذاتي"؛ وهي محاولة التنصل من الحرية عبر ادعاء الخضوع لظروف حتمية هرباً من ألم الاختيار.
عنف الميتافيزيقا والمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر
يرتبط البحث في تحولات الحضور والعدم بمسألة العنف ارتباطاً وثيقاً؛ إذ يرى الفكر التفكيكي أن الميتافيزيقا الغربية، في سعيها لتأسيس "المتطابق" والهوية المكتملة، قد مارست عنفاً إقصائياً ضد كل ما يمثل الآخر أو الهامش. هذا التوجه يختزل الآخر المختلف في حدود أفق الوعي الذاتي للأنا، وهو في جوهره يمثل عنفاً وجودياً كبيراً.
إن العنف، وفق هذه الرؤية، ينقسم إلى مستويات بنيوية ومعرفية تسبق تجلياته المادية. فاللغة ذاتها تنطوي على عنف أولي متمثل في عملية التسمية والتصنيف، حيث تفرض على الذات قوالب جاهزة تقيد تدفق معانيها الحرة. ومن هنا، يرى دريدا أن المسؤولية الحقيقية تجاه الآخر (سواء كان غريباً، أو مضطهداً، أو مهاجراً) لا تنبثق من الامتثال البارد للقوانين الجاهزة، بل تنشأ في لحظة القرار الذي يتجاوز الحسابات النفعية الضيقة، مما يعيد تأسيس الأخلاق كعلاقة مفتوحة مع اللامتوقع، تستهدف حماية الآخر من الانصهار في منظومات السيطرة الفكرية أو المادية.
الفلسفة والنزاعات: من الصيرورة الأولى إلى الوجودية
إن التفكير الفلسفي في ظاهرة الحرب ضارب في القدم؛ من هيرقليطس الذي رأى الصراع محركاً للعالم، إلى أرسطو الذي حاول تأطيرها ضمن مفهوم "الحرب العادلة" التي تهدف للسلام. أما في الوجودية المعاصرة، فقد شكلت الحرب المختبر الحقيقي لأفكار روادها، لا سيما بعد مآسي الحربين العالميتين. لقد عاين سارتر تجربة الحرب بالأسر، وصاغ رؤية تؤكد أن الحرب فكرة تحمل في طياتها مبررات فنائها، وأن جوهرها لن يتحقق إلا في اليوم الذي تصبح فيه مستحيلة الاندلاع.
نظر سارتر إلى الحرب بوصفها تعبيراً حاداً عن اليأس الاجتماعي والانسداد الفلسفي، رافضاً السرديات البطولية الزائفة التي تبررها، ومعتبراً إياها آلية تستغلها القوى المهيمنة لتقديم الفقراء كقرابين لمصالح ضيقة. وقد تجلى التزامه الوجودي في دعمه للثورات التحررية ضد الاستعمار، حيث اعتبر أن العنف الاستعماري جريمة تلغي إنسانية الظالم والمظلوم معاً، مؤكداً حق الشعوب في المقاومة لانتزاع حريتها، مع التحذير من السقوط في دوامات القتل الأعمى التي تمثل ارتداداً نحو السلوك غير الأصيل.
المقاربة الفلسفية للحروب الراهنة في المنطقة
عند إمعان النظر في واقع النزاعات الراهنة في الشرق الأوسط، يتبين وجود تطابق دقيق بين المفاهيم المجردة للحضور والعدم وبين المآسي المعاشة. هذه الحروب ليست مجرد عمليات عسكرية للسيطرة على الموارد، بل هي تجلٍّ مادي لصراع يسعى فيه كل طرف مهيمن إلى تثبيت حضوره المطلق عبر إفناء وجود الآخر وإحالته إلى عدم محض.
يظهر هذا العنف الوجودي في أبشع صوره عبر التدمير المنهجي للمدن والبنى التحتية، وهو رغبة واعية في محو الشواهد المادية الدالة على حضور الشعوب في أراضيها. ومع ذلك، فإن الركام والخراب لا يعبر عن عدم مطلق؛ فالأنقاض، من منظور فلسفي، تجسد مفهوم "الأثر"؛ فهي حضور صارخ لشيء تم تغييبه قسراً، وعلامة تقاوم النسيان وتفضح القوة التي حاولت الإقصاء.
ويمكن قراءة ممارسات القوى الاستعمارية في المنطقة في ضوء مفاهيم "النظرة" وتشييء الآخر؛ حيث تمارس القوى المهيمنة نظرة تجرد الشعوب من صفتها الإنسانية، وتختزل كينونتها في مجرد أرقام إحصائية أو أهداف عسكرية. هذا السلوك يمثل ذروة "الخداع الذاتي"، حيث يرفض المعتدي الاعتراف بأن الآخر هو وعي وحرية مكافئة له، فيلجأ للعنف لإنهاء التهديد الوجودي الذي تثيره تلك الحرية. كما أن توظيف التكنولوجيا الحربية المؤتمتة يزيد من تضخم العدمية؛ فالقتل عبر الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي يلغي المواجهة البشرية، ويحول الإبادة إلى إجراء تقني جاف، مما يحقق تحذيرات الفلاسفة من خطورة "الإطار التقني" الذي يحول الوجود البشري إلى مجرد مادة خام قابلة للاستهلاك في مشاريع التدمير.
خلاصات نقدية
تخلص هذه القراءات إلى أن الحروب المستعرة في المنطقة هي انعكاس مباشر للأزمة الوجودية التي خلفتها الميتافيزيقا ونزعتها الأحادية. إن التكنولوجيا التي بُشر بها كأدوات للتحرر قد تحولت في ممارسات الصراع إلى آليات للإبادة المنظمة وفرض العدم.
على الصعيد الذاتي، فإن الإنسان في هذه المنطقة مدعو إلى الانعتاق من حالة الاستسلام العدمي. إن استعادة الحضور الوجودي الأصيل تتطلب تحويل تجربة القلق المزمن إلى دافع فاعل نحو المقاومة الواعية وبناء الماهية الحرة. فكما أكد الوجوديون، الإنسان ليس شيئاً ثابتاً تصنعه الأقدار، بل هو مجموع أفعاله والمواقف التي يتخذها بحرية لتقرير مصيره وتحديد معنى وجوده في مواجهة العدم المحدق به.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |