|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

غالب المسعودي
2026 / 4 / 10
في واحةٍ سحيقةٍ تقبعُ في القلب القاري لصحراء ناميبيا، حيث لا تعترفُ الرمال بقوانين الخرائط، بل تذعنُ لسلطة "الاستعارة الجارحة"، تقفُ الثعالبُ فوق تلالٍ اصطناعية من الورق المقوى. هناك، وفي ذلك الفراغ الموحش، تحاولُ الثعالبُ صياغة دستورٍ كونيٍّ جديد لغابةٍ ترفضُ بالفطرة الانحناء للكلمات أو الاعتراف بسلطة الحروف. في هذه الغابة الميتافيزيقية، لم تكن الأسودُ مجرد ضوارٍ بجلدٍ وعظم؛ بل كانت هي "فكرة الافتراس" في صورتها الخام، كائناتٌ لا تأكل لتشبع، بل لتؤكد حضور الموت. النمورُ هناك كانت عبارة عن خطوطٍ من البرق المتجمد الذي ينتظر لحظة التحلل، بينما كانت الضباع هي الضحكة الساخرة التي تنبعثُ من العدم لترتدَّ صدىً في فراغ الوجود.
أما الثعالب، تلك الكائنات المسكونة بذكاءٍ حادٍّ يكاد يلامسُ حواف الجنون المطلق، فقد أدركت في وقتٍ مبكرٍ من تاريخها الوجودي أنها لا تملك المخالب الطويلة الكافية لتمزيق حجاب الواقع، ولا تملك الزئير الرخامي الذي يزلزلُ يقين الجبال. ومن هنا، من رحم هذا العجز، ولدت العبقرية الشيطانية؛ قررت الثعالب ألا تحكم بالخوف، بل بـ "بيروقراطية الرائحة". بينما يغطُّ الأسد في نومه العميق الممتد لقرون، وبينما يتربصُ النمر في تلك الظلال المعتمة التي لا تجرؤ الشمس على ملامستها، كانت اللجنة العليا للثعالب تعقدُ اجتماعاتها السرية. لم يكن هدفهم السيطرة على "وادي الفيلة" أو الهيمنة على "نبع المها" العظيم؛ بل كان تركيزهم الهوسيّ منصباً بالكامل على أقفاص الدجاج القابعة في أطراف الغابة.
هندسة الحدود الصفراء وحبر السياسة
إذا لم نستطع حكم الغابة بالرعب، فسنحكمها "بالترسيم"، هكذا صرح كبيرُ الثعالب وهو يضبطُ نظارته الوهمية فوق أنفه المدبب، في إشارةٍ لبدء عصرٍ جديد. كانت الخطة سريالية بامتياز؛ فالثعالب لا تقاتل الخصوم وجهاً لوجه، بل "تحددهم" وتقيد حركتهم بالخرائط. بدأ الطقس السريالي اليومي: الطواف الدؤوب حول أقفاص الدجاج ورسم دوائر مركزة من البول. بالنسبة للثعلب، لم يكن هذا السائل فضلاتٍ بيولوجية، بل كان "حبراً سياسياً" مقدساً، وسياجاً سيادياً يفصل بين "الأنا" والعدم.
تتحرك الثعالب في هذا الفضاء بخوفٍ مبطن؛ آذانها تتحسسُ أدنى زئيرٍ قادم من الأفق البعيد. عندما يمرُّ ضبعٌ عابر ويطلق ضحكته المقززة، لا تفرُّ الثعالب، بل تتظاهر فوراً بأنها "تجري دراسة ميدانية لخصائص التربة"، حاملةً أوراقاً من الشجر تدعي أنها تقارير مخبرية. لكن بمجرد أن يختفي المفترسون الحقيقيون وراء التلال، يعودون لممارسة طقسهم المقدس بزهوٍ مفرط. حول أقفاص الدجاج، يشعر الثعلب بأنه إمبراطورٌ مطلق الصلاحية. الرائحة النفاذة التي تزكم الأنوف ليست علامة قذارة في عرفهم، بل هي "السياج الأمني" الذي يحميهم من مواجهة الحقيقة المرة: اعترافهم بضآلة حجمهم أمام اتساع الكون. إنها مأساة الكائن الذي يحاول إدارة "الكل" عبر تسييد نفسه على "الجزء" المهمل، خائفاً من العظمة الحقيقية، ومكتفياً برائحة نفوذه في زاوية منسية من الوجود.
اقتصاد "الريش الممنوع" وسوق الانعكاسات
في هذا الامتداد الميتاسريالي، تحول الدجاجُ من كونه مجرد طيورٍ داجنة إلى "عملة وجودية" ثقيلة الوزن في نظام الصرف المعقد الذي تديره الثعالب. الدجاج في تلك الأقفاص لم يكن سجيناً بالمعنى الفيزيائي، بل كان "زمناً مؤجلاً" ينتظر اللحظة التي يتحول فيها إلى مادة سياسية أو رشوة كبرى. داخل تلك الأقفاص التي رسمت الثعالب حولها "حدودها الصفراء"، لم يعش الدجاج ككائناتٍ لها أرواح، بل كـ "أصول بنكية" تضمن بقاء النظام.
ابتكرت الثعالب، في محاولتها المستميتة لترويض رعبها من المفترسات العليا، ما يسمى بنظام "المقايضة الكبرى". القاعدة الذهبية كانت: لا تأكل الثعالب الدجاج أبداً؛ لأن أكله يعني انتحاراً اقتصادياً وتبديداً لرأس المال السيادي. بدلاً من ذلك، يُقدم الدجاج في طقوسٍ ليلية جنائزية كـ "هدايا استراتيجية" للأسود والنمور. الدجاجة هنا هي "قرابين لتهدئة القدر". يجرُّ الثعلبُ الدجاجة السمينة بجهدٍ جهيد إلى حدود عرين الأسد، لا بدافع الكرم، بل ليشتري بتلك التضحية "حق الاستمرار في التبول حول القفص" دون أن يزعجه أحد.
ولكي تحافظ الثعالب على صورة "المدير العادل" والمتعفف أمام نفسها، كان عليها ابتكار نظام غذائي بديل يتناسب مع هذه اللعبة. تركت الدجاج للجبابرة، واكتفت هي بـ "العصافير المذبوحة". وكما جاء في الفصل الأول من مذكرات ثعلب بيروقراطي عتيق: "العصفور ليس وجبة، إنه سقط متاع السماء، وقربان العجز". إن ذبح العصافير يرمزُ في حقيقته إلى رغبة الثعالب العميقة في معاقبة كل كائنٍ يملك القدرة على الطيران والهروب من سجن الغابة التي يحاولون إدارتها بالورق والرائحة. الثعلب الذي يلوك ريش عصفورٍ ملون يشعر بلذةٍ سريالية عارمة؛ فهو لا يأكل اللحم، بل يأكل "فكرة التحليق" ليعوض بها عجزه عن مواجهة الضباع في الميدان.
أما الدجاج الذي لا يُقدم كقرابين، فقد خُصص له "سوق الانعكاسات". في هذا السوق، تبيع الثعالب الدجاج لبعضها البعض، ليس مقابل مالٍ أو ذهب، بل مقابل "اعترافات وهمية بالسيادة". قد يبيع ثعلبٌ دجاجةً سمينة لثعلبٍ آخر فقط مقابل أن يسمح له الأخير بالتبول في مساحة إضافية بمقدار متر واحد جهة الشمال، لتوسيع خارطته الصفراء.
انهيار المعنى وسقوط القناع البيروقراطي
في نهاية الأمر، بدأت الحقيقة تتسرب من بين أسلاك الأقفاص. اكتشفت الدجاجات أن الأقفاص لم تُبنَ لحمايتها من غدر الثعالب، بل بنيت لحماية الثعالب من فكرة "الفراغ" القاتلة. بينما كانت الثعالب تنشغل بذبح العصافير ومضغ عظامها الهشة، كان الدجاج ينظر من خلف الأسلاك ببرودٍ ميتافيزيقي، مدركاً أن الثعالب ليست سوى "خدم توصيل" يعملون بتفانٍ لدى الموت، متنكرين في زيّ "مديرين تنفيذيين ".
عندما بدأ المخزن يفرغ، وتوقفت الدجاجات عن التكاثر داخل الأقفاص التي استحالت إلى هياكل سلكية صدئة، سقط القناع الأخير عن وجه "المدير البيروقراطي". الجوع في الغابة الميتاسريالية ليس نقصاً في البروتين، بل هو "انهيارٌ حادّ في المعنى". عندما جاعت الأسود والنمور، لم تعد تقبل بتلك "الهدايا" الصغيرة؛ فجأة، لم يعد الدجاج كافياً لسد فجوة العدم التي اتسعت في بطون المفترسات الكبرى. انهار "سوق الانعكاسات" تماماً، وأصبحت العصافير المذبوحة، التي كانت تقتات عليها الثعالب، نادرة كالأمل في قلب الإعصار.
في هذه اللحظة التراجيدية، تحولت الثعالب من "مديري توريد" إلى "طرود بريدية". وبما أن الثعالب هي من رسمت الحدود الصفراء، فقد وقعت في الفخ الهندسي الذي صنعته يداها. الأسود، بذكائها الوحشي البدائي الذي يتجاوز البيروقراطية، أدركت أن الثعالب التي كانت تجلب الطعام هي نفسها "لحمٌ مخزن" كان ينتظر دوره في قائمة الطعام الوجودية. أصبح الثعلب يُطلب "بالاسم"؛ لا ليوصل تقريراً أو طعاماً، بل ليكون هو الوجبة الرئيسية.
وليمة العبث والوداع الأخير
الثعلب الذي كان يفتخر بخرائطه الصفراء ويعدُّها إنجازاً سياسياً، وجد نفسه الآن مضطراً لغسل نفسه بجنونٍ من رائحته الخاصة؛ لأن تلك الرائحة التي كانت "رمز نفوذ" أصبحت الآن "جرس عشاء" يدل الضباع والأسود على مخبئه. في مشهدٍ ميتاسريالي بامتياز، وقفت الثعالب في طوابير طويلة ومنظمة أمام عرين الأسد، ليس لتقديم تقارير الأداء أو خطط التوسع، بل لتسليم أنفسهم بترتيبٍ أبجديٍّ دقيق، محافظين على مظهرهم الإداري حتى اللحظة الأخيرة.
"الإدارة الناجحة هي أن تعرف متى تتحول من صياد إلى نادل، ومن نادل إلى طبق رئيسي"؛ كانت هذه هي الحكمة الأخيرة التي نطق بها ثعلبٌ عجوز قبل أن يختفي تماماً خلف أنياب النمر. حينها، بدأ المطر السريالي يسقط بغزارة ليغسل "الحدود الصفراء" حول أقفاص الدجاج الخاوية. وبمجرد زوال الرائحة، فقد الثعلب هويته السياسية وتحول في نظر الغابة إلى مجرد "بروتين" متاح للجميع.
العصافير التي كانت تُذبح بلا رحمة، توقفت فجأة عن السقوط من السماء. الآن، بات على الثعالب أن تطارد أوهامها الخاصة لتشبع جوعها قبل أن تُؤكل. بدأت الثعالب تركض في الغابة لا لتبحث عن فريسة، بل لتهرب من مفترس؛ لكنها في ركضها المحموم هذا، كانت "توصّل" نفسها حرفياً إلى مخالب النمور التي كانت تنتظر بصبرٍ عند نهاية كل طريقٍ رسمه الثعلب سابقاً بخرائطه الصفراء.
في الغابة التي لا ترحم العاجزين، انتهت أسطورة "الثعلب المدير" إلى الأبد. الدجاج أُكل بالكامل، والعصافير طارت بعيداً في أحلام الناجين القلائل، والثعالب التي ظنت يوماً أنها تدير اللعبة بالخداع والورق، اكتشفت في اللحظة الأخيرة أن "خدمة التوصيل" كانت مهنتها الحقيقية والوحيدة منذ البداية؛ حيث كانت توصل الغابة بأكملها نحو نهايتها الحتمية، لتكون هي ذاتها الوجبة الأخيرة في وليمة العبث الكبرى التي لا تنتهي.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |