|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 4 / 10
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
10 نيسان/أبريل 2026
في تحليل ساخر وجريء، نشره المعلق الروسي البارز بيتر أكوبوف على موقع وكالة «ريغنوم» للأنباء، رسم لوحة درامية تكاد تشبه قصة توراتية حديثة. تحت عنوان «ترامب «قفز» عن الحرب ونقل إيران من العصر الحجري إلى الذهبي»، كتب أكوبوف: «خلال يومين فقط من أسبوع الآلام، قطع ترامب الطريق من الشيطان إلى الملاك — بدأ بتهديد إيران بالعودة إلى العصر الحجري، والآن يتحدث عن العصر الذهبي».
ويتابع الكاتب الروسي بأسلوبه الحاد: «قبل ساعة واحدة من إنتهاء الإنذار النهائي، غيّر الرئيس الأميركي رأيه بشأن «تدمير الحضارة الإيرانية»، ومنحها أسبوعين إضافيين للتفاوض حول تسوية طويلة الأمد وسلام دائم». هكذا يلخص أكوبوف التحول المفاجئ الذي أعاد التوتر في الشرق الأوسط إلى دائرة الدبلوماسية، بعد أسابيع من التهديدات المتبادلة والضربات العسكرية المكثفة.
الحرب الكبرى إنتهت.. أم أنها مجرد إستراحة؟
يصف بيتر أكوبوف اللحظة ببرودة واقعية قاسية: «المهم أن الحرب الكبرى إنتهت — ترامب قفز عن سلم التصعيد الذي تسلقه بنفسه بإيعاز من نتنياهو». ويضيف: «إيران ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها عادت تتنفس قليلاً، وتتساءل: ما الذي حدث بالضبط؟»
كانت محاولة لسحق إيران وإخضاعها، برأي أكوبوف، وقد فشلت. «أي أن إيران فازت؟ نعم، رغم الخسائر الهائلة في قيادتها وقوتها العسكرية ومواطنيها وبنيتها التحتية وإقتصادها — لكنها أظهرت صموداً وشجاعة لافتين». هنا يصل الكاتب إلى جوهر تحليله: إيران خرجت منتصرة إستراتيجياً، رغم الدماء التي سالت، بينما خسرت إسرائيل كثيراً على المدى الطويل.
«إستدرجت إسرائيل الولايات المتحدة إلى مغامرة عسكرية لإزاحة إيران عن طريقها في الشرق الأوسط»، يؤكد أكوبوف. «قتلت الإيرانيين ووضعت الجميع في موقف حرج، بمن فيهم العرب في الخليج الذين تدّعي أنها تريد الصداقة معهم». ويتابع بسخرية مرة: «حاولت إسرائيل إستغلال إنشغال العالم بمضيق هرمز لإعادة إحتلال جنوب لبنان، ونسيت وعدها بالإنسحاب من غزة».
هزيمة إستراتيجية لإسرائيل.. وخسارة لمصداقية أميركا
يصف أكوبوف النتيجة بكلمات قاسية لا تترك مجالاً للشك: «أرادت إسرائيل أن تكون المنتصر الأكبر في هذه الحرب، لكنها حصلت في النهاية على هزيمة إستراتيجية. لم يعد أحد يصدقها في أي شيء، ولن يبني أحد معها خططاً مشتركة بعد الآن. كيف يمكن الحديث مع من يستخدم المفاوضات كغطاء للتحضير للهجوم، ويضع الوسطاء في موقف حرج، ويتلاعب بالولايات المتحدة علناً دون الإلتفات إلى مصالح أحد؟»
ويصل أكوبوف إلى ذروة نقده الشخصي لـ بنيامين نتنياهو: «حتى الآن غير واضح ما إذا كان ترامب قد أدرك إلى أي مدى إستخدمه نتنياهو ووضعه في موقف حرج، لكنه في النهاية وصل إلى درجة من الجنون المُصطنع جعل حتى بعض مؤيديه يخشون جدياً إستخدامه السلاح النووي». ثم يخلص الكاتب الروسي: «لكن في الواقع، كان عليه فقط أن «يقفز»، وهو ما فعله بعد أن رفع درجة التوتر إلى «تدمير الحضارة»».
أما أميركا، في رأي أكوبوف، فقد خسرت الكثير: «فقدت ثقة العرب في الخليج الذين كانوا يرونها ضامن أمنهم، ناهيك عن أن ترامب نفسه وضع سمعته الشخصية على المحك، ودمر جزءاً كبيراً من مصداقيته».
مفاوضات إسلام آباد: هل سينجح فانس مع قاليباف؟
مع إقتراب المفاوضات المباشرة في إسلام آباد يوم الجمعة (10 نيسان أبريل 2026)، يتوقع أكوبوف أن يقود الجانب الأميركي نائب الرئيس جي دي فانس (برفقة المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر)، بينما يترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. «لن يتفق فانس مع قاليباف»، يتنبأ أكوبوف بثقة، «لأن التناقضات بين إسرائيل (التي لا تزال تحدد موقف الولايات المتحدة) وإيران لم تعد قابلة للحل بعد هذه الحرب، بل بلغت ذروتها».
ومع ذلك، يرى الكاتب أن الوضع الحالي يخدم التهدئة المؤقتة: «سيُفتح مضيق هرمز، والعقوبات لن تُرفع، لكن القتال لن يعود — إيران نزفت دماً لكنها إنتصرت. إسرائيل قتلت ودمرت الكثير ممن سمّتهم أعداءها، لكنها في الأفق الإستراتيجي خسرت كثيراً».
في خاتمة تحليله، يرسم بيتر أكوبوف صورة قاتمة لنتنياهو: ليس فقط «مُدبّر الإبادة الجماعية» بحسب الإتهامات الموجهة إليه، بل «أخطر رجل في العالم» لأنه «يضع الجميع في موقف حرج ويُشعل الحروب دون إكتراث بمصالح حلفائه».
خاتمة: استراحة بين جولتين أم بداية صفحة جديدة؟
يُقدم تحليل بيتر أكوبوف في «ريغنوم» رؤية روسية واضحة المعالم تعكس كيف ينظر جزء كبير من المحللين إلى الدراما الجارية في الشرق الأوسط. ترامب نجح في «القفز» عن حافة الحرب الكبرى، مستفيداً من أسلوبه المعروف في «فن الصفقة»، لكنه ترك وراءه منطقة مثقلة بالشكوك والتناقضات العميقة.
الآن، وعلى طاولة مفاوضات إسلام آباد، يواجه الطرفان مهمة صعبة: هل يتحول وقف إطلاق النار الهش إلى تسوية مستدامة، أم أنه مجرد إستراحة بين جولتين من لعبة لا تنتهي؟ الإجابة، كما يذكّرنا أكوبوف دائماً، ستُكتب إما بدماء المنطقة أو بحبر إتفاقاتها المستقبلية — إن تكللت بالنجاح.