|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 4 / 9
بعد تسعة وثلاثين يوماً من المواجهة الملحمية التي وقفت فيها قوى التحرر الوطني والمقاومة في وجه آلة الحرب التابعة للتحالف الأمريكي-الصهيوني، أثبتت طهران أن الصمود الميداني هو اللغة الوحيدة التي تفهمها قوى الهيمنة العالمية. لقد تحطمت أحلام الإمبريالية الأمريكية على صخرة الصمود الإيراني الأسطوري، مما أجبر واشنطن على التراجع خطوة إلى الوراء، والقبول بصيغة هدنة مؤقتة تؤكد أن إرادة الشعوب والدول ذات السيادة قادرة على كبح جماح الاستكبار العسكري.
مسرحية مجلس الأمن، ابتزاز الخليج، ووساطة "الحليف" الباكستاني
في سياق التخبط الإمبريالي ومحاولة الالتفاف على الفشل العسكري، حركت واشنطن أدواتها الإقليمية؛ حيث تولت البحرين نقل قضية مضيق هرمز إلى مجلس الأمن الدولي، في محاولة بائسة لاستصدار قرار أممي يشرعن العدوان ويجبر إيران على فتح المضيق بالقوة. لكن هذه المناورة الاستعمارية تحطمت سريعاً أمام فيتو روسي-صيني مزدوج.
بالتأكيد، لم تكن الإدارة الأمريكية تجهل المصير المحتوم لمشروع القرار، بل إنها هندست هذه المسرحية الدبلوماسية لتوظيف نتيجتها كأداة ابتزاز صريحة، ممارسةً بذلك ضغوطاً هائلة على الأنظمة الخليجية التابعة، لإجبارها على دفع فاتورة الحرب وتغطية التكلفة الباهظة للآلة العسكرية الأمريكية بالكامل. غير أن هذا الفخ الأمريكي سيمنح طهران بلا شك ورقة تفاوضية رابحة ومشروعة؛ إذ يهيئ الأرضية لتفرض إيران تعويضات قاسية على تلك الدول الخليجية التي حُولت أراضيها إلى قواعد انطلقت منها الصواريخ والمسيرات لضرب البنى التحتية الإيرانية.
وعلى وقع هذا الفشل الأممي والابتزاز المالي، وفي ذروة الإخفاق الميداني، تقدمت باكستان بمبادرة هدنة لم تكن معزولة عن سياق التبعية، بل جاءت منسقة سلفاً وبشكل تام مع الإدارة الأمريكية والدول الخليجية لإنزال واشنطن عن شجرة وعيدها.
تهميش "الكيان الوظيفي" وتخبط نتنياهو التخريبي
ما يلفت النظر في صياغة هذه المبادرة المنسقة هو التغييب الكامل لأي ذكر لـ "دولة الكيان". وهذا التهميش ليس هفوة دبلوماسية، بل يعكس جوهر الصراع؛ فإسرائيل في القاموس الاستعماري ليست سوى "كيان وظيفي" و"كلب حراسة" يحمي مصالح رأس المال الإمبريالي في الشرق الأوسط. وعندما تقرر الإدارة الأمريكية، التي تمسك برسن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، أن تتفاوض مع قوة إقليمية صلبة، فإنها تهمش أدواتها وتتحدث بالأصالة.
أمام هذا التهميش، وفي محاولة يائسة للتمرد على الرسن الأمريكي الذي لم يشدّه ترامب بالقوة اللازمة بعد، يسعى نتنياهو جاهداً لإفشال هذه الصفقة الأولية بين الإمبريالية الأمريكية وطهران. يتجلى هذا التخريب في إصرار آلة القتل الصهيونية على تصعيد هجومها الوحشي ضد لبنان، متذرعًا ومروجًا لكذبة أن الجبهة اللبنانية غير مشمولة في اتفاق الهدنة. إنها مناورة صهيونية مفضوحة لجر المنطقة مجدداً إلى أتون الحرب الشاملة، لكن طهران كانت حازمة في إدراج حماية المقاومة في لبنان كبند غير قابل للمساومة انطلاقاً من مبدأ "وحدة الساحات".
تراجع زعيم الإمبريالية على منصة "تروث سوشال"
بعد أسابيع من ضخ التهديدات العنترية ومحاولة ترهيب الشعوب بمحو حضارتها، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه مجبراً على الرضوخ. واشترطت طهران بصلابة ألا توافق على المبادرة إلا إذا أعلن ترامب تراجعه علناً أولاً.
وهكذا، أطل ترامب عبر منصته "تروث سوشال"، ليبتلع وعيده ويرمي خطاباته الاستعمارية في سلة القمامة. أعلن تعليق القصف لأسبوعين مقابل ضمان عبور السفن في مضيق هرمز، محاولاً حفظ ماء وجه الإمبراطورية المترنحة بادعاء تحقيق الأهداف، ومعترفاً مرغماً بأنّ المقترح الإيراني ذي النقاط العشر هو الأساس العملي للتفاوض نحو تسوية طويلة الأمد.
الرد السيادي وتفكيك البنية الاستعمارية: النقاط العشر
جاء الرد الإيراني إعلاناً سيادياً صريحاً نُشر على منصة "إكس" عبر وزير الخارجية، نيابة عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. أكد البيان أن البندقية الإيرانية لن تصمت إلا بصمت المدافع الأمريكية. وفي ضربة قاصمة لمساعي الهيمنة على خطوط التجارة العالمية، فرضت طهران سيادتها المطلقة على مضيق هرمز، مؤكدة أنّ العبور في مياهها الإقليمية يخضع حصراً للتنسيق مع قواتها المسلحة وتحت شروطها الفنية، لا لإملاءات الأساطيل الأجنبية.
ولم يقف سقف هذا التحدي عند حدود فرض السيادة الميدانية والبحرية فحسب، بل اتخذته طهران منصة انطلاق لتأسيس مشروع سياسي جذري يستهدف اجتثاث المنظومة الاستعمارية برمتها. ومن هذا المنطلق المتماسك، صيغت الإرادة الوطنية في مقترح النقاط العشر الذي أقرّه المجلس الأعلى للأمن القومي، ليتحول من مجرد شروط لوقف إطلاق النار إلى مانيفستو حقيقي لتفكيك البنية الاستعمارية وتجريد الإمبريالية من أدوات هيمنتها، وهو ما يتضح جلياً في البنود التالية:
1. إنهاء العدوان: التزام أمريكي قاطع بوقف الغطرسة العسكرية.
2. السيادة على الممرات: تكريس سيطرة إيران المطلقة على مضيق هرمز.
3. الحق في التكنولوجيا: إجبار الغرب على القبول بحق إيران في التخصيب النووي.
4. كسر الحصار (الأولي): الرفع الفوري والمطلق للعقوبات الأولية الجائرة.
5. كسر الحصار (الثانوي): إسقاط كافة العقوبات الثانوية التي تخنق الشعوب.
6. إسقاط وصاية مجلس الأمن: إلغاء جميع القرارات الأممية المسيسة ضد طهران.
7. لجم الوكالة الذرية: إنهاء قرارات مجلس المحافظين التي تُستخدم كأداة ضغط استعمارية.
8. استرداد الثروات والتعويضات: إلزام واشنطن (ومن خلفها الدول الخليجية) بدفع تعويضات مالية كضريبة للعدوان.
9. طرد الإمبريالية: الانسحاب الكامل للقوات القتالية الأمريكية من المنطقة.
10. وحدة الساحات النضالية: الوقف الشامل للحرب على جميع الجبهات، والتصدي الحازم لمحاولات نتنياهو الاستفراد بلبنان.
وفي الختام، إنّ ما نشهده اليوم هو انتصار مرحلي لنهج المقاومة في وجه الآلة الإمبريالية. لقد أثبتت هذه المواجهة أنّ الامتيازات لا تُمنح، بل تُنتزع بقوة الصمود في الميدان.
لذا، يجب النظر إلى هذا التفاهم على أنه هدنة تكتيكية لالتقاط الأنفاس، وليس نهاية حتمية للحرب. فالإمبريالية الأمريكية وحليفها الصهيوني لا يؤتمن جانبهما، وسيحاولان الالتفاف على هذه الشروط. يبقى الدرس الأهم لقوى التحرر الوطني في المنطقة هو عدم الركون إلى وعود قوى الاستكبار؛ فالضامن الوحيد لانتزاع الحقوق ولجم مساعي تخريب الهدنة هو أنْ تبقى البندقية مشرعة، وأنْ تظل "اليد الإيرانية والحليفة على الزناد" بيقظة تامة، حتى يتم تفكيك آخر معاقل الهيمنة وتضع الحرب أوزارها بشروط المنتصرين.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |