|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 4 / 9
ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر
مقابلة صحفية إذاعية
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
9 نيسان/أبريل 2026
المذيع: لنبدأ النقاش من إيران. وردت قبل قليل أخبار عبر وكالات الأنباء من وزارة الخارجية الإيرانية، حيث أعلن المتحدث الرسمي إسماعيل بقائي أن طهران صاغت بالفعل ردها على مقترحات الوسطاء الدوليين بشأن وقف إطلاق النار.
وفي الوقت نفسه، نشهد مسارًا موازيًا: إنذار دونالد ترامب الذي تنتهي مهلته اليوم، 6 أبريل. الرئيس الأمريكي، بأسلوبه المعروف، يهدد إيران بـ"كل دوائر الجحيم" إذا لم توافق على صفقة ولم تفتح مضيق هرمز.
ما الذي يجري فعليًا الآن على المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران؟ خاصة وأن الجانب الإيراني كان حتى وقت قريب ينفي وجود أي مفاوضات، بينما نرى اليوم تحركات واضحة ونقاشًا حول إتفاق إطاري بوساطة باكستان والصين. كيف تقيّم هذا الوضع؟
ألكسندر دوغين: لقد تراكمت حول هذه الحرب كمية هائلة من المعلومات المضللة، بحيث أصبح من الصعب للغاية الوثوق بأي تصريح. نرى مفاوضين يُقتلون أثناء العملية التفاوضية نفسها، ونرى الإتفاقات تُنتهك في اللحظة ذاتها التي تُوقّع فيها. يبدو أن التفاوض مع إسرائيل والولايات المتحدة صعب، بل وربما أخطر من عدم التفاوض. وأظن أن الإيرانيين أدركوا ذلك بالفعل.
ما نشره ترامب من رسالة مليئة بالألفاظ البذيئة في يوم عيد الفصح الغربي يوضح تمامًا طبيعة الطرف الذي يتعاملون معه. ففي يوم إحتفال الكاثوليك بقيامة المسيح، يكتب الرئيس الأمريكي أن يوم الثلاثاء سيكون يوم تدمير كل الجسور ومنشآت الطاقة في إيران. ويقول حرفيًا: "لم تروا بعد ما سيحدث يوم الثلاثاء"، ثم يضيف تهديدًا مباشرًا بفتح المضيق، مع شتائم صريحة، وينهي بقوله: "اشكروا الله على ذلك. الرئيس دونالد ترامب".
هذا إقتباس حرفي من منشوره على منصة Truth Social. وقد رأى كثير من المحللين الأمريكيين أنفسهم في ذلك مؤشرات على إضطراب عقلي واضح؛ إذ لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن تحدث بهذه الطريقة لا مع خصومه ولا مع حلفائه. إنه إزدراء كامل، ليس فقط لمشاعر الآخرين، بل حتى لدينه الخاص.
نحن أمام ظروف دبلوماسية غير مسبوقة: لم تعد هناك إلتزامات، ولا خطوط حمراء، ولا قواعد. نحن أمام عدوان فظ، مباشر، جهنمي، حيث لا قيمة لأي كلمة.
قد يرى البعض أن ما يحدث إستثنائي، أما أنا فأقول: لا شيء جديد من حيث الجوهر. إذا نظرنا إلى سلوك الولايات المتحدة في عهود سابقة، نجد أن الرؤساء كانوا يتحدثون بلغة دبلوماسية مهذبة، لكن الجوهر كان نفسه. اليوم تغيّر الشكل فقط، أما المضمون فبقي كما هو.
الغرب بقيادة الولايات المتحدة سعى دائمًا إلى ترسيخ هيمنته، وعندما كانت هذه الهيمنة تتعرض للخطر، كان يلجأ إلى أي وسيلة لإنقاذها: تشويه الخصوم، إستخدام القوة، وتبرير ذلك لاحقًا بحجج زائفة. ترامب لم يأتِ بجديد في هذا السياق، بل فقط تخلّى عن "القناع الإنساني" للدبلوماسية.
يمكن القول إن ترامب يمارس نوعًا من "تعرية الواقع السياسي": يكشف كل شيء ويقول إن الواقع قاسٍ وعنيف كما هو. قد يعجب هذا البعض أو ينفر منه آخرون، لكننا دخلنا مرحلة لغة فجة في العلاقات الدولية، بينما بقيت السياسة الغربية كما هي.
كنا نأمل أن يغير ترامب هذا المسار ويركّز على الداخل الأمريكي، لكنه لم يفعل. المشاكل الداخلية تتفاقم، والخارج لم يتغير، بإستثناء أسلوب العرض.
ترامب يمثل "صراحة المعتدي": يقول بصراحة "سأدمركم، سواء كنتم مذنبين أم لا". وهو يتعامل بهذه الطريقة مع الجميع. لكن الحقيقة أن كل الرؤساء الأمريكيين تصرفوا بهذا المنطق، وإن بعبارات مختلفة.
الأخطر أن ترامب ليس ظاهرة جديدة، بل إستمرار للنهج ذاته: سياسة الهيمنة الأحادية. وهو يواصل هذا المسار بأسلوب مختلف فقط.
أما بشأن إنذاره لإيران، فهل سيقوم فعلاً بتدمير بنيتها التحتية؟ نعلم أن لدى الولايات المتحدة تفوقًا جويًا، وقد نشهد عمليات برية وقصفًا مكثفًا.
لكنني أرى أن المفاوضات لم تعد عاملًا حاسمًا. الإيرانيون لن يستسلموا. لديهم ما يمكن تسميته "المشروع الشيعي الصامد": تاريخ طويل من الصمود رغم الهزائم المادية.
توجد لديهم "أخلاقيات كربلاء": الإستعداد للخسارة الدنيوية مقابل نصر معنوي. وعندما يواجههم ترامب بهذه القسوة، فإن ذلك لا يولد الخوف، بل يزيد من تماسكهم.
المذيع: لكن ألا تؤدي هذه الصراحة إلى تقليص هامش المناورة لدى ترامب؟ ألن تنفر حتى حلفاء واشنطن؟
دوغين: بالتأكيد. هذا الأسلوب ينفّر الكثيرين، حتى من داخل معسكره، بما في ذلك أنصار حركة MAGA. بل وحتى منظرو المحافظين الجدد يرون أن ترامب يطبق برنامجهم، لكن بطريقة فظة تضر بهم.
السؤال: لماذا لا يكون أكثر إعتدالًا؟
أعتقد أن السبب هو ضيق الوقت. ترامب يحاول إنجاز مشروع عالمي قبل 2028، ويتبنى ما يمكن وصفه بسياسة "التسريع" (Accelerationism): أي تسريع الأحداث التاريخية بشكل قسري.
أهداف إستراتيجية ترامب كما يراها دوغين:
1. إستعادة السيطرة على نصف الكرة الغربي
عبر الضغط على فنزويلا وكوبا والمكسيك.
2. فرض السيطرة على الشرق الأوسط عبر إسرائيل
مع إستهداف إيران أولًا، ثم تركيا لاحقًا.
3. التعامل مع روسيا كعامل يمكن إحتواؤه
وليس كعدو أول.
4. الإستعداد لحرب كبرى مع الصين كهدف نهائي.
هذه الإستراتيجية تهدف إلى الحفاظ على العالم أحادي القطب عبر تدمير مراكز السيادة: إيران، روسيا، الصين.
المنطق بسيط: يتم إستهداف كل طرف على حدة، مع إعطاء الآخرين وعودًا زائفة بعدم إستهدافهم… إلى أن يأتي دورهم.
المذيع: ما إحتمال إستخدام السلاح النووي؟
دوغين: لا أعتقد أن التهديد الحالي نووي مباشرة، لكن لا يمكن إستبعاده لاحقًا. المقصود بـ"الجحيم" هو تدمير شامل للبنية التحتية عبر القصف والصواريخ وربما عمليات برية.
المذيع: هل تستطيع أمريكا خوض حرب طويلة؟
دوغين: تقنيًا نعم، لديها قدرات هائلة. لكن سياسيًا، هذا خطر كبير على ترامب، خاصة مع الإنتخابات القادمة.
المذيع: ماذا عن التغييرات في القيادة العسكرية الأمريكية؟
دوغين: هناك معارضة كبيرة داخل المؤسسة العسكرية. حتى الجنرالات المؤيدون للقوة الأمريكية يرون أن أسلوب ترامب يضر بها.
كما أن هناك تيارات دينية متطرفة داخل الإدارة، تؤمن بنهاية العالم وتربط الحروب بعودة "المسيح" وفق تصور خاص بها. وهذا يثير قلقًا كبيرًا داخل المؤسسة التقليدية.
الخلاصة (ضمنيًا في كلام دوغين):
نحن أمام مرحلة خطيرة تمثل "إحتضار النظام أحادي القطب"، حيث يحاول الحفاظ على نفسه عبر تصعيد شامل قد يقود إلى صدام عالمي.
لم يعد سلوك ترامب في الحكم منفصلًا عن إرثه التلفزيوني؛ فمنذ برنامجه الشهير «المتدرّب» (The Apprentice) الذي عُرض بين عامي 2004-2015، حيث إعتاد إنهاء كل حلقة بعبارته القاطعة «أنت مطرود» You re fired، بدا أن منطق العرض لم يغادره. اليوم، وقد إنتقل إلى ساحة السياسة، يتصرف بالذهنية ذاتها: تُختزل القرارات المصيرية في مشاهد درامية، ويُعامل الفاعلون كأنهم شخصيات ضمن عرض طويل، لا كأطراف في نظام دولي معقّد."
وكان بالفعل يطرد أحد الموظفين. كانت تلك ذروة العرض: "أنت مطرود، اخرج!".
لم يكن يهم إن كنت قد خدمت بإخلاص أو نفذت كل ما طُلب منك.
اليوم، نقل هذا العرض إلى البيت الأبيض. إذا لم يعجبه شيء — "أنت مطرود".
هكذا فعل مع المدعية العامة باميلا بوندي، التي كانت محاميته المخلصة، تغطي ملفاته الحساسة وتدافع عنه بشراسة. قال لها ببساطة:
"You’re fired, ma am" — أي: اخرجي.
وتعامل بالطريقة نفسها مع كريستي نويم، ومع الجنرالات العسكريين. بالنسبة له، كل ذلك مجرد إمتداد لشاشة التلفزيون، حيث البشر ومصائر الدول ليست سوى ديكور في عرض لا ينتهي.
بالنسبة لترامب، طرد شخص ما ليس مجرد قرار إداري — لا يحتاج حتى إلى سبب.
يمكنك أن تكون مخلصًا له إلى أقصى حد، أن تتذلل له وتنفذ كل رغباته، لكن بمجرد أن يتغير شيء في ذهنه، ينطق بجملته المعتادة: "أنت مطرود".
وهذا ما يفعله الآن مع الجنرالات أثناء الحملة ضد إيران، مما يثير موجة متزايدة من السخط داخل المؤسسة العسكرية.
ومع ذلك، فإن المنطق الذي تحدثنا عنه سابقًا يزداد وضوحًا. يبدو أن الوضع الحقيقي في الغرب أسوأ بكثير مما نتصور. هم بالفعل يقفون على حافة الإنهيار.
إذا كانت المؤسسات العالمية قد أوكلت السلطة لشخص يتصرف بهذه الطريقة — بسرعة، بعنف، متجاهلًا كل الأعراف — فهذا يعني ببساطة أنه لم يعد لديهم خيار آخر. لم يعد هناك وقت للخطاب الليبرالي أو الشعارات الإنسانية أو الحديث عن حقوق الإنسان. ترامب لم يعد يتطرق لهذه الأمور.
الآن كل شيء يُختزل في فكرة واحدة:
"نُدمّر كل ما يعترض طريقنا لأن هيمنتنا إهتزت، ويجب أن نحافظ عليها بأي ثمن."
القوى الحقيقية التي تدير الغرب إختارت هذا "الأداة". وفي وقت لاحق، سيتم تحميل ترامب كل المسؤولية.
إذا لم يختفِ من المشهد قبل ذلك، فسيُحاكم هو ومحيطه — من شخصيات مثل كوشنر وويتكوف وغيرهم — وستُلقى عليهم كل التهم. لكن المهمة ستكون قد أُنجزت: محاولة تثبيت الهيمنة المتداعية.
هذه الإهانات القاسية حتى لأقرب حلفائه ليست عرضية، بل جزء من طبيعته. هو لا يطرد فقط، بل يسعى إلى الإذلال والسحق.
هذا هو أسلوبه أيضًا مع الأوروبيين: لا يراهم حلفاء، بل تابعين لا يحتاج حتى إلى مجاملتهم.
حتى الآن يتجنب توجيه هذا النوع من الإهانات المباشرة لروسيا أو الصين، لكن من الواضح أنه قد يفعل ذلك في أي لحظة.
فبالنسبة له، لا توجد مشكلة في ذلك.
ويبدو أن الغرب لم يعد قادرًا على الحفاظ على نظامه إلا عبر هذه الهيمنة العدوانية المباشرة والمتسارعة.
لم يعد لديهم وقت لبناء أوهام أو الحفاظ على "مظاهر حضارية".
لقد إختاروا شخصًا قادرًا على تنفيذ هذه المهمة القذرة بسرعة وقسوة. والمهمة الحقيقية لترامب بدأت تتضح: محاولة أخيرة يائسة لإبقاء العالم تحت سيطرة قطب واحد.
يشير دوغين إلى حديث سابق له مع تاكر كارلسون قبل عامين، حيث عبّر الأخير عن قلقه من تأثير المحافظين الجدد على ترامب.
وعندما ناقشا فكرة العالم متعدد الأقطاب، قال كارلسون: "أظن أن ترامب لن يقبل بذلك."
اليوم، كارلسون نفسه في معارضة شديدة لترامب، رغم أنه كان من داعميه. ويقول الآن إنه لم يتوقع أن يكون ترامب بهذا الشكل، وإنه خذل أنصاره وحركة MAGA.
الخلاصة الفكرية هنا:
ترامب أعلن الحرب على فكرة العالم متعدد الأقطاب.
وهذا ليس موقفًا عابرًا، بل جوهر سياسته.
إلى أين قد يقود ذلك؟
إما أن ينجح في إلحاق ضرر كبير بمشروع التعددية القطبية ويؤخره لعقود
أو أن تؤدي سياساته العنيفة إلى تسريع إنهيار الهيمنة الغربية، وربما تفكك الناتو أو حتى إضطرابات داخل الولايات المتحدة نفسها
المخاطر بلغت أقصاها، ولم يعد بالإمكان البقاء على الحياد.
ترامب — وفق هذا الطرح — دخل مرحلة "اللعب بكل الأوراق" (All-in) لإنقاذ الهيمنة الأمريكية بأي ثمن. وهذا يفرض على الآخرين الدخول في نفس منطق التصعيد.
أما إيران، فلا يمكن — بحسب هذا المنطق — أن تقبل بدور "التابع". فهي حضارة عريقة بتاريخ طويل، ولن تقبل الإذلال.
لذلك، يرى دوغين أن ترامب لا يريد التفاوض أصلًا، بل يستخدم إنذاره لإرسال رسالة إلى الصين وروسيا:
"هذا ما سيحدث لكم إذا قاومتم."
نحن — بحسب هذا التصور — في المرحلة الثالثة من خطة كبرى، والمرحلة الأخيرة ستكون مواجهة الصين.
إيران اليوم تمثل خط الدفاع الذي يفصل الصين عن المصير ذاته، ويفصل روسيا عن سيناريوهات مشابهة لما حدث في دول أخرى.
المذيع: ماذا عن الهجمات على البنية التحتية، مثل محاولة إستهداف خط "السيل التركي"؟
دوغين: يرى أن مثل هذه العمليات ليست قرارًا أوكرانيًا مستقلًا، بل جزء من سياسة أمريكية أوسع.
ويعتقد أن واشنطن تسعى لمنع روسيا من الإستفادة من إرتفاع أسعار الطاقة عبر إستهداف بنيتها التحتية.
أما التحالف لحماية "السيل التركي"، فيراه محدود الفعالية، لأن الولايات المتحدة — إن قررت — قادرة على تجاوز هذه الترتيبات.
الخلاصة النهائية:
نحن أمام لحظة حاسمة للغاية.
ويطرح دوغين رؤية ثنائية حادة:
إما أن تكون في موقع المقاومة (كما إيران)
أو في موقع الخضوع لهيمنة جديدة
ويرى أنه لا يوجد خيار ثالث في ظل هذا التصعيد.