الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية

عزالدين بوغانمي
2026 / 4 / 9

أساءت إدارة ترامب قراءة المشهد الإيراني من خلال قياسه بالنموذج الفنزويلي، حيث تمكّنت من خطف رأس النظام وإبرام "صفقة" في عملية عسكرية أشبه بشغل العصابات. وعلى ذلك الأساس تعاملت مع إيران بغطرسة واستخفاف، إذ توقّعت سرعة بلوغ أهداف أكبر بكثير من الموارد التي حشدتها لتحقيقها، وأقلّ بكثير من قوّة إيران. ويبدو ترامب بالذّات راهن على سقوط النظام بمجرّد اغتيال المرشد، ولا يملك خطّة بديلة فيما لو فشلت عملية "قطع الرأس" لإخضاع إيران. لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها في مأزق حقيقي بسبب الطريقة الارتجالية التي يتعامل بها رئيسها المُتصابي مع خطط الحرب وأهدافها. والدليل على ذلك أن الهدف الرئيسي لحربه حين بدأت هو فرض الاستسلام غير المشروط على طهران وتغيير نظامها والاستحواذ على نفطها، وبعد أربعين يومًا أصبح هدف الحرب ومحور الصراع فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا قبل العدوان.

في هذا السياق يمكن فهم تخبّط ترامب وتناقض تصريحاته وتهديده ب"القضاء على الحضارة الفارسية"، وبعد ساعتين يُشيد بالمقترح الإيراني، ثمّ يعود فيهدّد من جديد.. فهو مُحبط جدًّا، ولأنه رجل جاهل، فهو لا يفهم كيف أنّ ضرباته التي نالت بشدّة من قدرات إيران النووية والصاروخية والبحرية ومن قياداتها السياسية والأمنية، ومع ذلك لا تريد أن تستسلم وتبرم معه "الصفقة".. إنه مُحبط بقدر عدم وعيه بِدور الهُويّة والثقافة في صنع خيارات الأمم في المنعطفات التاريخية الصّعبة حيث تشعر بالتهديد الوجودي.
طبعا لا نأتي بجديد إن قلنا بأنه لا يفهم هذه القضية الفلسفية المعقّدة، فنحن نتحدّث عن شخص تربّى في نوادي القُمار ودور الدعارة والاتّجار بالبشر، لا علاقة له بالفكر والتاريخ لا من بعيد ولا من قريب. لكن المشكلة الكبرى هو أن هذا المقدار العالي من الإحباط، مُضاف إليه الخليط المركّز من الجهل والغطرسة، وكونه رجل عديم الأخلاق،، كل هذا سيجعله أخطر وأقلّ قابلية للتوقّع، وأكثر جنونا ممّا هو عليه الآن.

صحيح أن ترامب يحاول تجنّب الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة، والتورّط في معركة برية تعيد إلى الأذهان هزائم الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان، لكن شخصيته النّرجسية، وخشيته من تمرّد الحزب الجمهوري عليه، وبالتالي خسارته الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، والأسوأ من ذلك هو خوفه من النظر إليه مستقبلا باعتباره الرجل الذي تفرّد بإسقاط هيبة أميركا، وسرّع انهيارها في ظرف تحوّل عميق في النظام الدولي.. بمعنى أن خشيته عن مصيره تجعله مُصرًّا على الذهاب بعيدا في الحرب حتى يحصل على "صورة نصر"، حتى ولو اقتضى الأمر استخدام السلاح النووي و"إعادة إيران إلى العصر الحجري" كما قال. وهذا ما يأخذنا إلى الحديث عن مأزق إيران أيضا. وهي التي تحاول، بعد أن امتصّت الصدمة الأولى، أن تذهب بعيدا في تحدّي هذا الرجل الأهوج، واستغلال جهله وسوء إدارته للحرب، للإصرار على المغامرة بالسيطرة على مضيق هرمز، وتحويله إلى ممرّ ملاحي خاضع لقوانينها، ما يضعها في موقع المتحكّم باقتصاد العالم. وبالتالي في موقع الاستهداف العسكري من كل الدول المتضررة.

من هذا المنطلق، وعكس المبالغين في التفاؤل، أعتقد أن إيران تُواجه أحلك فترات تاريخها المعاصر، والتهديد لا يطال نظام الحكم وحسب، بل يطال وجود الدولة ككيان سياسي وقانوني. ولقد ارتكبت سلسلة من الأخطاء القاتلة حين تجنّبت المواجهة الحاسمة لحظة إبادة غزة، ولحظة اغتيال حسن نصر الله ورفاقه. وهذا جعلها تخسر استراتيجيتها الدفاعية القائمة على محاربة العدو بحزام من نار يحيط به. وظلّت تمارس "صبرها الاستراتيجي" حتى تلاشى محور المقاومة، ومعه انطفأ حزام النار، وها هي الآن تخوض الحرب على ترابها، وبدماء شعبها، وفي مواجهة القوة الأعظم في العالم، والخيار المطروح عليها هو الموت أو الاستسلام غير المشروط.

صحيح أن إيران تملك أوراق قوّة تستطيع (نظريًّا) أن تُناور بها للحصول على اتّفاق دائم مع الولايات المتحدة، يتضمّن "معاهدة عدم اعتداء" تكفل بقاء النظام ورفع العقوبات. وأهمّ هذه الأوراق على الإطلاق هي:
- غلق مضيق هرمز
- استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وخلق أزمة طاقة تؤدّي إلى انهيار الاقتصاد العالمي.
وهنا، في هذه الحال بالذات، وبعيدا عن الخطاب العاطفي، تلعب إيران لُعبة الانتحار.

بهذا المعنى، وبالنظر لتناقض إرادات الطّرفين، من المستحيل التوصّل إلى حلّ دبلوماسي، دون البحث عن مخارج بعيدا على حافّة الهاوية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن