وهم استقلال تايوان الكرتوني بين مطرقة التاريخ وسندان الجغرافيا

جهاد حمدان
2026 / 4 / 8

​في مشهد مثقل بالدلالات الرمزية والتاريخية، انطلقت زيارة وفد حزب الكومينتانغ التايواني المعارض برئاسة "تشنغ لي ون" إلى الصين، في جولة تستمر لستة أيام تمتد من الثلاثاء 7 أبريل وحتى الأحد 12 أبريل 2026. وقد استهل الوفد مساره بالوصول إلى شنغهاي، حيث حظي باستقبال من "سونغ تاو"، رئيس مكتب شؤون تايوان في الصين، ليتوجه بعدها إلى نانجينغ. وهناك، في يوم الأربعاء 8 أبريل، وقفت قيادة الحزب أمام ضريح "صن يات سين" لتقديم الاحترام، في محطة تمهد لوصول الوفد يوم الخميس 9 أبريل إلى العاصمة بكين لعقد اللقاء المرتقب مع الرئيس الصيني "شي جين بينغ". إن هذا الحراك لا يُقرأ في سياق المجاملات البروتوكولية، بل يضعنا أمام لوحة جيوسياسية بالغة التعقيد، وتشكل تفاصيل هذه الزيارة صفعة سياسية مدوية للحكومة التايوانية الحالية، كاشفةً عن استراتيجية صينية عميقة ومدروسة لإدارة الصراع.
​الوطن الأم والسياسة المتأنية: تفكيك السلطة لا تدمير الجزيرة
لم تتخلّ الصين يوماً عن عقيدتها الراسخة بأن تايوان جزء لا يتجزأ من تراب الوطن الأم، وهي حقيقة لا تخضع للمساومة في القاموس السياسي لبكين. ولكن، وخلافاً لما تروج له الماكينة الإعلامية الغربية من حتمية الغزو العسكري الوشيك لتبرير عسكرة المنطقة، تدرك القيادة الصينية أن استعادة الجزيرة بالقوة المفرطة قد يحمل أكلافاً قاسية ويخدم مصالح قوى الهيمنة الإمبريالية التي تسعى لاستنزاف بكين. لذا، تعتمد الصين استراتيجية "النفس الطويل" والدبلوماسية الهادئة التي تهدف إلى تفكيك السلطة الحاكمة في تايوان (المتمثلة في الحزب التقدمي الديمقراطي ذي النزعة الانفصالية) من الداخل.
​تسعى بكين، عبر هذه الاستراتيجية، إلى عزل القيادة التايوانية الحالية شعبياً وسياسياً، وتقديم البديل الموضوعي المتمثل في القوى التي تقر بتشابك الجذور وتاريخ "صين واحدة"، مما يجعل انهيار السلطة الانفصالية مسألة وقت، لتسقط كالثمرة الناضجة في حجر الوطن الأم دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
​ضربة في الصميم لـ "سلطة تايبيه"
تأتي زيارة وفد الكومينتانغ لتمثل اختراقاً استراتيجياً وبمثابة زلزال يضرب شرعية الحكومة التايوانية في تايبيه. إن فتح بكين أبوابها للمعارضة التايوانية يعرّي الحزب الحاكم، ويظهره كعقبة أساسية أمام السلام والاستقرار في المضيق. هذه الخطوة تسحب البساط من تحت أقدام دعاة الانفصال، وتخاطب الوعي الجمعي للشارع التايواني بأن الأمن والرخاء الاقتصادي يمران عبر بوابة الحوار مع بكين، وليس عبر التمترس خلف المظلة العسكرية والوعود الأمريكية التي أثبتت هشاشتها وازدواجيتها في محطات عالمية عدة، ولا تزال تشد على رسن التصعيد وتدفع أدواتها للهاوية.
​وهم الاعتراف الدولي: كيانات هامشية تبحث عن البقاء
ولعل من أكثر المؤشرات دلالة على تآكل المشروع الانفصالي التايواني هو الانحسار الدراماتيكي والمستمر لقائمة الدول التي ما زالت تعترف بالجزيرة كدولة مستقلة (تحت اسم جمهورية الصين). فعلى الساحة الدولية، لم يتبق سوى 12 دولة فقط تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع تايبيه، وهي دولة أوروبية واحدة هي الفاتيكان نظراً لاعتبارات دينية، ودولة إفريقية واحدة هي إسواتيني، بالإضافة إلى مجموعة من دول أمريكا الوسطى والجنوبية والكاريبي وجزر المحيط الهادئ، وتتمثل في باراغواي، وغواتيمالا، وبليز، وهايتي، وسانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا، وسانت فينسنت والغرينادين، وجزر مارشال، وبالاو، وتوفالو. إن الصفة الجامعة لهذه الدول هي أنها دول مجهرية، أو جزر نائية، أو دول نامية تفتقر لأي ثقل جيوسياسي أو تأثير اقتصادي في موازين القوى العالمية. وبنظرة فاحصة، نجد أنّ هذا "الاعتراف" لا ينطلق من مبادئ سيادية أو إيمان بحق تقرير المصير، بل هو نتاج مباشر لما يُعرف بـ "دبلوماسية دفتر الشيكات". فهذه الكيانات ترتهن في مواقفها للمساعدات المالية والمنح الاقتصادية التي تقدمها تايبيه لضمان أصواتها. وبمجرد أنْ تقدم بكين عروضاً استثمارية ومشاريع بنية تحتية حقيقية، تتساقط هذه الاعترافات كورق الخريف، لتؤكد للعالم أنّ تايوان تعيش عزلة دولية خانقة، وأن مسار التاريخ والجغرافيا يعود حتماً ليصب في مجرى العاصمة بكين.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر