ماذا جنى العالم من حرب ترامب-نتنياهو على إيران؟

جهاد حمدان
2026 / 4 / 7

​في لحظة تجلٍّ تاريخية نادرة، يقف العالم اليوم مبهوراً أمام "حصاد الخير" الذي أثمرت عنه العبقرية الاستراتيجية المشتركة للسيدين ترامب ونتنياهو في حربهما المظفرة. لقد وعدا العالم بـ "شرق أوسط جديد" آمن ومستقر، والحق يقال، لم يخلفا الوعد؛ فقد بتنا نعيش في ذروة الاستقرار، لدرجة أننا نكاد نختنق من فرط هذا "السلام" المزعوم، وأصبحنا نتابع مسارات الصواريخ البالستية بشغف يفوق متابعتنا لأسعار البندورة.
​لنتأمل معاً أولى هذه الثمار اليانعة: "الدرع الذي لا يُقهر". لقد أثبتت هذه المغامرة المحسوبة بدقة مدى اليقظة الأسطورية للمنظومات الدفاعية الغربية. فبفضل هذا التصعيد، اكتشف العالم أن الرادار الرئيسي في البحرين، ومنظومة "ثاد" المتقدمة في الأردن، يتمتعان بحسٍ عالٍ من "السلام الداخلي"، لدرجة أنهما اختارا "العمى الطوعي" في اللحظة التي قررت فيها طهران أن تمسح الرؤية عنهما. إنها بلا شك رفاهية تكنولوجية أن تمتلك رادارات بمليارات الدولارات، تغض الطرف بأدب احتراماً للصواريخ العابرة!
​وبالحديث عن المليارات، لا بد أن نُشيد بـ "الرخاء الاقتصادي المذهل" الذي عمّ المعمورة. فإذا كانت أسعار البندورة قد حلقت في الفضاء، فإن برميل النفط ومشتقاته قد أعلنت استقلالها التام عن قدرة البشر الشرائية، حيث أخذت أسعار البنزين تقفز بجنون لتناطح النجوم في كبد السماء. لقد نجح هذا التحالف في إقناع المواطن العالمي بأن هذا التضخم ليس سوى ضريبة تُدفع عن طيب خاطر لإنعاش المجمع الصناعي العسكري، وأن التقشف هو "حمية غذائية" فرضتها ضرورات "الردع".
​أما في واحة الديمقراطية، فحدث ولا حرج عن "الرفاه المنقطع النظير". شوارع تل أبيب وحيفا وبتاح تكفا وبئر السبع تضج بالحياة بشكل غير مسبوق، فالملاهي والبارات والمقاهي تعج بالزوار الذين يهرولون إليها تعباً من ازدحام الملاجئ وروائحها "العطرة". وحركة الطائرات لا تهدأ أبداً في مطار بن غوريون، حيث تتسابق كبرى شركات الطيران العالمية في الإقلاع بلا عودة، معلنةً تعليق رحلاتها في مهرجان جوي بهيج للاحتفاء بهذا "الاستقرار" الأمني الخلاب.
​ولكي تكتمل فصول هذه الملحمة الكوميدية السوداء، لا بد من وقفة إجلال وخشوع أمام "النهضة اللغوية" التي اجتاحت أروقة الدبلوماسية. فإذا كان الكاتب والباحث يوناتان مندل قد صدّع رؤوسنا بتفكيك عبقرية الماكينة الصهيونية في انتقاء "الاستعارات اللغوية" لتجميل التوحش؛ كأن تُطلق على الإبادة الدورية للفلسطينيين مصطلحاً زراعياً أليفاً مثل "قص العشب"، أو أن تبرر عنصريتها الفجة باستعارة عقارية لطيفة كـ "فيلا في الغابة"؛ فإن السيد ترامب قد استكثر على نفسه هذا العناء المجازي، وقرر الارتقاء بالخطاب السياسي نحو قاع جديد ومبتكر.
​لقد أتحفنا ساكن البيت الأبيض بقاموس دبلوماسي موازٍ، استبدل فيه مجازات تل أبيب "المعقمة" بـ "استعارات" طازجة استقاها مباشرة من غرف الدعارة في قصور جزيرة "إبستين" العتيدة. ففي ذروة التأزم، وبدلاً من استعراض العضلات الاستراتيجية، أطل علينا عبر منصاته ليصف حكام طهران بـ "أبناء الزنا" و"أولاد الحرام"! إنها بحق نقلة نوعية تدمج بين فجاجة الاستعلاء الكولونيالي وانحطاط نوادي العراة، لتجرد الخصم من إنسانيته. ولكن هذه المرة ليس بلغة "أمنية" باردة، بل بلغة تفوح منها رائحة الكحول الرخيص، مُدشناً عصر "الدبلوماسية البذيئة" التي تحول فيها المسرح السياسي الدولي إلى ما يشبه شجاراً منفلتاً في زقاق ليلي مشبوه.
​وعلى صعيد التحالفات، فقد أثمرت سياسات واشنطن الرعناء عن "عزلة دولية" خانقة. لقد حققت الإدارة الأمريكية إجماعاً عالمياً نادراً على النفور منها، فتصدع جدار الحلفاء التقليديين؛ حتى بريطانيا وقفت مشدوهة تحسب خطواتها، بينما في أوروبا القارية، قررت دول كفرنسا وألمانيا، إلى جانب إسبانيا وإيطاليا، النأي بالنفس عن هذه المقامرة المحمومة، تاركين التحالف المأزوم يغرد وحيداً في وادٍ من العزلة الموحشة.
​وماذا عن الجيران في الخليج؟ لقد حصدوا بدورهم "ثمار الأمان" الموعود، ولكن بنكهة المحروقات هذه المرة. فبفضل شغف ترامب "المقدس" بنفط إيران، اكتشف الخليجيون أن سماءهم الصافية تحولت إلى "ترانزيت" مفتوح للمسيرات التي لم تخطئ خزانات الوقود ومحطات الطاقة وتحلية المياه، محولةً آبار النفط إلى مشاعل نار لا تنطفئ. وفي مفارقة تهكمية مؤلمة، قد تجد بعض العواصم، التي لا تنام إلا على حلم بتشييد ناطحة سحاب جديدة، نفسها مضطرة قريباً لتغيير هوايتها الصباحية؛ فبدلاً من إحصاء الطوابق التي شُيدت، ستبدأ بإحصاء الأبراج التي صمدت، لتعرف كل صباح كم فقدت من غابات الإسمنت والزجاج في ليلة واحدة من ليالي "المغامرة الكبرى" للشريكين المفتونين بقتل العباد.
​وفي خضم هذا العبث، لم يبخل التحالف ببركاته على لبنان. ففي عرض ساحر لفشل التوقعات، تسببت هذه الحرب في إعادة الحياة بالكامل لحزب الله، الذي خرج عن صمته، ليصطاد مقاتلوه دبابات الميركافا ويرسلوا طواقمها إلى المقابر ونعيم المستشفيات، ولتُغرد صواريخه ومسيراته الانقضاضية بأعذب ألحان الردع في سماء الجليل وما بعد الجليل، مضيفةً نكهة لبنانية لاذعة لهذه الوليمة الجيوسياسية.
​لقد جنى العالم الكثير بالفعل؛ فقد استبدلنا أوهام السلام بصراحة القوة الغاشمة، واكتشفنا أن النظام العالمي بأسره ليس سوى رهينة في يد مقامرين يجرون البشرية إلى الهاوية، وهم يلوحون لنا بشارات النصر.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر